وبحسب The Independent، بدا ميسي في معظم فترات المباراة بعيداً عن منطقة الخطر. لم يسدد إلا مرة واحدة، ولم يختبر جوردان بيكفورد بجدية. ضغط عليه لاعبو إنكلترا، أخرجوه إلى الجهة اليمنى، وضيّقوا عليه المساحات في العمق.
لكن المشكلة أن ميسي لا يحتاج دائماً إلى التسجيل كي يقرر المباراة.
في هدف التعادل، مرر كرة بسيطة إلى إنزو فرنانديز، لكن حضوره وحده كان كافياً لسحب المدافعين وفتح المساحة. وفي هدف الفوز، صنع الفارق الحقيقي: انطلق من الجهة اليمنى، تجاوز الضغط، ثم أرسل كرة دقيقة فوق محاولة جون ستونز، لتسقط على رأس لاوتارو مارتينيز.
هنا ظهرت قوة ميسي القديمة: قراءة المساحة قبل أن يراها الآخرون.
في الشوط الأول، نجحت إنكلترا في إخراجه من قلب الملعب. تدخل إليوت أندرسون، وضغط هاري كين، واندفع جيد سبنس لمنعه من الدوران. حصل أندرسون على بطاقة صفراء بعدما أوقفه في إحدى اللقطات القليلة التي ظهر فيها ميسي بسرعته المعتادة.
لكن بعد تقدم إنكلترا، تغيّرت المباراة.
تراجعت إنكلترا إلى قرب منطقة جزائها، وتخلت تدريجياً عن الضغط والهجمات المرتدة. هذه الخطة نجحت معها أمام المكسيك في أزتيكا عندما لعبت بعشرة لاعبين، لكنها هنا منحت الأرجنتين ما تحتاجه: وقتاً ومساحات حول منطقة الجزاء.
ومن هذه اللحظة، خرج ميسي من الظل.
لم يعد يطارد الكرة، بل بدأ يراقب حركة المدافعين. هذا هو الجزء الذي لا يظهر دائماً في الأرقام. ميسي يرى المساحة قبل أن تُفتح، يعرف أين سيتحرك المدافع، وأين سيظهر الفراغ بعد ثانيتين أو 3.
تقرير The Independent يستعيد دراسة سابقة عن طريقة ميسي في قراءة المساحات، خلصت إلى أنه كان يجد الحلول قبل أن تظهر فعلياً على أرض الملعب. وهذا بالضبط ما حدث أمام إنكلترا.
على الجهة اليمنى، بدأ ميسي يتحرك بين خطوط التعب. أرسل كرات عرضية خطيرة، تدخل ستونز في واحدة، وتصدى بيكفورد لأخرى، ووقفت العارضة والقائم أمام محاولات أرجنتينية إضافية.
لكن إنكلترا لم تعد قادرة على الخروج. غرقت داخل منطقتها، وبدأت المباراة تميل بالكامل نحو الأرجنتين.
ثم جاء التعادل. ركلة ركنية قصيرة، عادت الكرة إلى ميسي، فتحرك كين وسبنس وأندرسون نحوه في اللحظة نفسها. لم يحتج إلى أكثر من لمسة كي يمرر إلى إنزو فرنانديز، الذي وجد المساحة وسدد.
وبعد دقائق، جاءت اللقطة الحاسمة. ميسي تقدم نحو المنطقة، وصل إلى الخط، وسبق سبنس ونيكو أوريلي بخطوة. العرضية لم تكن قوية فقط، بل محسوبة تماماً. كرة من النوع الذي يجعل مهمة المهاجم شبه سهلة. لاوتارو مارتينيز لم يكن بحاجة إلا إلى وضع رأسه.
هكذا خرجت إنكلترا. وهكذا ذهبت الأرجنتين إلى النهائي.
المفارقة أن ميسي غادر الملعب بجائزة رجل المباراة رغم أنه بالكاد لمس الكرة في ساعة كاملة. لكنه لمسها في اللحظات التي لا تُغتفر.
والآن، يقف أمام فرصة تاريخية. إذا لعب النهائي أمام إسبانيا، سيعادل رقم كافو كأحد اللاعبين القلائل الذين خاضوا 3 نهائيات في كأس العالم.
نهائيه الأول كان في 2014، حين خسر أمام ألمانيا في ريو دي جانيرو، وبقيت تلك الليلة تطارده طويلاً. ثم جاء نهائي 2022 في الدوحة، حيث سجل مرتين ورفع الكأس التي انتظرها طوال مسيرته.
اليوم، يمكن أن يضيف فصلاً أخيراً إلى القصة: كأس عالم ثانية في نهاية مسيرة بدأت بتغيير كرة القدم مع برشلونة، ثم اكتملت بإعادة كتابة تاريخ الأرجنتين.
ميسي لم يكن الأفضل بدنياً أمام إنكلترا. لم يكن الأكثر ركضاً ولا الأكثر لمساً للكرة. لكنه كان اللاعب الذي فهم المباراة قبل الجميع.
وهذه، ربما، هي قوته الأخيرة: لا يحتاج إلى السيطرة على 90 دقيقة. يكفي أن يملك لحظتين.












اترك ردك