من داخل الحكومة إلى كتاب يوثّق التجربة.. سعادة الشامي يروي معركة الإصلاح في لبنان

في وقت لا يزال فيه لبنان يواجه واحدة من أكثر أزماته الاقتصادية والمالية والسياسية تعقيداً، شكّل كتاب نائب رئيس مجلس الوزراء السابق، الدكتور سعادة الشامي، «Bound by Design: Public Service in a Broken System»، مناسبة لإعادة فتح النقاش حول الإصلاح، وأسباب تعثّره، ودور المؤسسات العامة في إدارة الأزمات.

 

ومن المكتبة الوطنية، افتتح وزير الثقافة غسان سلامة ندوة لمناقشة الكتاب، بحضور شخصيات سياسية واقتصادية ودبلوماسية وإعلامية، في لقاء جمع عدداً من المسؤولين والخبراء الذين عايشوا مراحل مختلفة من إدارة الشأن العام والمال العام في لبنان. وقد تحوّل النقاش إلى مساحة لمقاربة الأزمة اللبنانية من جوانبها الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية، وطرح أسئلة أساسية حول العوائق التي تحول دون الإصلاح، ودور النظام السياسي ومراكز النفوذ في حماية الوضع القائم.

 

أما الشامي، فقدم كتابه بوصفه محاولة لتوثيق تجربة في العمل العام، لا باعتبارها سيرة ذاتية، بل باعتبارها قراءة في كيفية عمل المؤسسات أو تعثّرها، وفي الأسباب التي تجعل الإصلاح ينجح أحياناً ويفشل في أحيان أخرى. وبين الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019، وتعقيدات النظام السياسي، وتراجع الثقة بالدولة، برزت خلال الندوة دعوة إلى استعادة دور أصحاب الكفاءة في الحياة العامة، والتمسّك بالنزاهة والشفافية باعتبارهما مدخلاً ضرورياً لأي مسار إصلاحي قابل للحياة.

 

فماذا يقول الشامي لـ«لبنان 24» عن كتابه الجديد وتجربته في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي؟

 

أكد الشامي لـ«لبنان 24» أن الهدف من كتابه «Bound by Design: Public Service in a Broken System» لم يكن تقديم دراسة اقتصادية تقنية بقدر ما كان توثيق تجربة شخصية في العمل العام، آملاً أن تشكل مادة للنقاش والاستفادة لدى المسؤولين الحاليين والمستقبليين.

 

وقال إن فكرة الكتاب راودته في الأساس، وقد شجعه بعض الأصدقاء الذين رأوا أن التجربة التي عاشها خلال إدارة الأزمة المالية تستحق التوثيق، لأنها قد تساعد من يتولى المسؤولية مستقبلاً. وأضاف أنه أنجز الكتاب خلال خمسة أو ستة أشهر، لكن ظروف الحرب توالت وأخّرت إصدار الكتاب. وبعدما شعر بأن الوقت حان لتسجيل هذه التجربة وعدم انتظار تبدّل الظروف، قرر إطلاقه في العاشر من تموز، وسط حضور واهتمام لافتين.

 

وأوضح الشامي أن الرسالة الأساسية للكتاب تتمثل في فتح نقاش جدي حول أسباب الأزمة اللبنانية، والعوائق التي واجهت الإصلاح، والسبل الممكنة للخروج منها، مشدداً على أن الخبرة في العمل العام ليست ملكاً للمسؤول، بل للمجتمع.

 

وأشار إلى أن الكتاب يعكس تجربة شخصية عاش خلالها شعوراً بالعزلة في كثير من الأحيان، إذ وجد نفسه يقود معارك الإصلاح من دون دعم سياسي كافٍ، فيما جرى، في أحيان كثيرة، تحميله شخصياً مسؤولية برنامج الإصلاح، رغم أنه كان برنامجاً أقرته الحكومة بأكملها، وليس مشروعاً خاصاً به، أو كما ذهب البعض إلى تسميته “مشروع سعادة الشامي”.

 

وشدد على أن الإصلاح في لبنان ليس أزمة تقنية، بل هو، قبل كل شيء، قرار وإرادة سياسية، مؤكداً أن أفضل الخطط الاقتصادية لا يمكن أن تنجح إذا غابت الإرادة السياسية لاتخاذ القرارات وتنفيذها. وقال: يمكن أن تمتلك أفضل الحلول والخبرات، لكن من دون قرار سياسي ستفشل عملية الإصلاح. وبالتالي، فإن المشكلة في لبنان هي مشكلة نظام، فيما الحل لا يبدو متاحاً حتى الآن، لأن الإصلاح الحقيقي يصطدم ببنية سياسية تعيق أي تغيير جوهري.

 

وفي ما يتعلق بالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أوضح الشامي أن الحكومة السابقة نجحت في التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين، كما حصلت للمرة الأولى على رسائل خطية تؤكد التزام رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة بخطة الإصلاح، وهو ما كان ضرورياً لاستعادة ثقة المؤسسات الدولية.

 

ومع أن دعم الحكومة مجتمعة لم يكن بالقدر الكافي، فإنه رأى أن العقبة الأساسية كانت في مجلس النواب، حيث اصطدمت مشاريع القوانين بالنقاشات الشعبوية والإنكار، إضافة إلى نفوذ مجموعات الضغط المختلفة والمتضررة من عملية الإصلاح، التي تتمتع بتأثير واضح على القوى السياسية النافذة.

 

وأشار إلى أن الفريق المفاوض حاول، قدر الإمكان، التوفيق بين متطلبات صندوق النقد والواقع اللبناني، فنجح في تخفيف بعض الشروط، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، خفض مستوى الدين بالنسبة إلى الناتج المحلي، الذي أتى منخفضاً بالنسبة إلى ما كنا نعتقد، وزيادة مساهمة الدولة في معالجة الأزمة، مع المحافظة على الإنفاق الاجتماعي في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مؤكداً أن الصندوق لم يكن يفرض إجراءات تهدف إلى إفقار اللبنانيين كما كان يُشاع.

 

وأضاف الشامي أن فريق التفاوض كان يدرك منذ البداية ضرورة مراعاة الظروف السياسية والاجتماعية، ولذلك خاض نقاشات طويلة مع صندوق النقد للوصول إلى حلول قابلة للتطبيق، معتبراً أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه كان أفضل ما يمكن تحقيقه في تلك المرحلة.

 

وعن الحكومة الحالية، قال إن عدداً كبيراً من مشاريع القوانين المطروحة اليوم أُعدّ في عهد الحكومة السابقة، إلا أن إدخال تعديلات عليها أدى إلى تسجيل صندوق النقد ملاحظات جديدة، ما أعاد جزءاً من المفاوضات إلى نقطة البحث من جديد.

 

وفي ملف الودائع، شدد الشامي على أن الهدف الأول من النقاش حول برنامج الحكومة للتعافي الاقتصادي كان حماية المودعين إلى أقصى الحدود، وأنه كان دائماً ينادي بالسير قدماً في الإصلاح، لأن الوقت لم يكن في مصلحة المودعين واللبنانيين بشكل عام. إلا أنه اختار قول الحقيقة ومصارحة اللبنانيين، مؤكداً أنه كان من القلائل الذين قالوا بوضوح إن استعادة الودائع ستستغرق سنوات طويلة، وإن القيمة الفعلية للأموال تتراجع مع مرور الوقت. واعتبر أن المسؤولين مطالبون بالشجاعة في قول الحقيقة للناس، حتى وإن كانت مؤلمة، لأن الوضوح يبقى أفضل من تقديم وعود غير قابلة للتنفيذ.

 

وشدد على أن المودعين، منذ ست سنوات، يتحملون الخسائر ويسحبون أموالهم تدريجياً بقيمتها المتدنية، أي أنهم يخسرون جزءاً كبيراً من قيمة ودائعهم الفعلية. وما يجري اليوم يعني عملياً اقتطاعاً مستمراً من أموالهم. وأضاف: لذلك، المطلوب هو الوضوح والشجاعة والجرأة في اتخاذ القرار. فكلما أسرعنا في إقرار الحلول كان ذلك أفضل، لأن تأجيل القرارات سيجعلها أكثر صعوبة وكلفة. نحن اليوم نتحدث عن خسائر كبيرة، وإذا استمر التأخير فقد تصبح الخسائر أكبر، وكل يوم تأخير يزيد حجمها ويجعل معالجتها أكثر تعقيداً وكلفة على الجميع.

 

وعن الموقف الدولي، قال الشامي إنه خلال فترة التفاوض مع صندوق النقد، كان هناك إجماع دولي غير مسبوق على دعم الإصلاحات في لبنان، من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وسائر المؤسسات الدولية. وكان الجميع يؤيد برنامج الإصلاح، ولم يكتفِ بالبيانات، بل بذل جهوداً فعلية لمساعدة لبنان.

 

ويتذكر الشامي أن سفير الاتحاد الأوروبي آنذاك أعدّ مذكرة مفصلة حول الإصلاحات المطلوبة، ثم جال على مختلف المسؤولين اللبنانيين، من رئاسة الحكومة ووزارة المال إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب والقيادات السياسية، حاملاً الرسالة نفسها: ضرورة تنفيذ الإصلاحات. لكن، للأسف، لم يكن هناك من يصغي. ويتكرر هذا المشهد الآن، وأتمنى أن يلقى آذاناً صاغية.

 

ويضيف أن الضغط الخارجي كان موجوداً، لكن المشكلة تكمن في أن بعض القوى السياسية ترى أن كلفة الإصلاح عليها أكبر من الفوائد التي يمكن أن تجنيها منه، لذلك تعرقل أي تغيير يمس مصالحها. وبرأيه، لن يكون الضغط الخارجي مؤثراً ما لم تشعر هذه القوى بأن مصالحها باتت مهددة فعلاً.

 

ويتطرق الشامي إلى مشروع قانون هيكلة القطاع المصرفي الذي يُناقش حالياً في لجنة المال، قائلاً إن هناك بعض الخلافات بين الحكومة ومصرف لبنان حول تفاصيل تتعلق ببعض البنود الواردة في مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، والمتعلقة بصلاحيات الهيئة التي ستشرف على إعادة الهيكلة وصلاحية البنك المركزي، لكنني أرى أنها ليست خلافات جوهرية، وآمل ألا تكون ذريعة لتأخير القانون أو تعطيله أو القضاء على أي أمل في الوصول إلى اتفاق قريب مع صندوق النقد الدولي.

 

ويكرر الشامي دائماً أن صندوق النقد لا يفرض نفسه على أحد، بل يضع شروطاً يمكن للدولة أن تقبلها أو تناقشها أو ترفضها. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يريد لبنان تنفيذ الإصلاحات أم لا؟ فإذا قررنا عدم التعاون مع الصندوق، فهذا خيار ممكن، لكن علينا أن نتحمل نتائجه، لأن الإصلاحات ستكون عندها أكثر صعوبة وكلفة.أما إذا نفذنا برنامجاً إصلاحياً متكاملاً بالتعاون مع الصندوق، فسيكون بإمكان لبنان استقطاب تمويل ومساعدات إضافية قد تصل إلى نحو عشرة مليارات دولار، إضافة إلى برنامج الصندوق الذي يؤمّن، على الأقل، ثلاثة مليارات دولار. وفي النهاية، لبنان هو الذي يحتاج إلى صندوق النقد، وليس العكس. والأهم من التمويل نفسه هو استعادة الثقة بلبنان واقتصاده، والإصلاحات التي يطلبها الصندوق هي إصلاحات يحتاج إليها لبنان أصلاً، ويجب علينا القيام بها بوجود الصندوق أو من دونه، ولكن، كما ذكرت، فإن عملية الإصلاح ستكون أكثر سهولة مع الصندوق. والسؤال الحقيقي هو: هل من الأفضل أن ننفذ الإصلاحات بدعم مالي يُقدّر بنحو 10 إلى 13 مليار دولار، أم أن نقوم بها من دون أي دعم؟ بالنسبة إليّ، الجواب واضح.

 

ويتابع الشامي: لا يكفي التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، فالأهم هو التنفيذ. فالصندوق يجري مراجعات دورية كل ثلاثة أو ستة أشهر، وإذا لم يلتزم البلد بتنفيذ الإصلاحات، يتوقف البرنامج وتتوقف الدفعات. لذلك، العبرة ليست في توقيع الاتفاق، بل في تطبيق الإصلاحات المطلوبة، ومن هنا ضرورة الاقتناع بالبرنامج وامتلاكه حتى تنجح عملية الإصلاح.

 

ويعتقد الشامي أن الظروف الحالية أفضل من السابق. فهناك دعم عربي ودولي واضح للحكومة، وهو أمر لم يكن متوافراً للحكومة السابقة. كما أن الحكومة تضم وزراء أصحاب كفاءة، لكن الكفاءة وحدها لا تكفي، بل يجب اتخاذ قرارات جريئة وصعبة. فالإصلاح لا يقتصر على إقرار المشاريع في مجلس الوزراء، بل يجب أن تصل هذه المشاريع إلى مجلس النواب وتحظى بالإقرار.

 

ولا يجوز أن يوافق وزير تابع لحزب معين داخل الحكومة، ثم يرفض نواب الحزب نفسه المشروع في البرلمان. وإذا استمر هذا الأمر، فلا بد من إعادة النظر في تركيبة الحكومة، لأن أي حكومة إصلاحية تحتاج إلى غطاء سياسي حقيقي يسمح لها بتنفيذ برنامجها.

 

ويضيف: حتى الآن، لم يستعد لبنان الثقة الدولية. فالثقة لا تُمنح بالكلام، بل بالأفعال. عندما يرى المجتمع الدولي أن الحكومة تتخذ قرارات إصلاحية جدية وشجاعة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، عندها تعود الثقة ويزداد الدعم. أما حتى الآن، فما زال لبنان في بداية الطريق. فالثقة تعود فقط عندما يثبت لبنان أنه يسير في مسار إصلاحي حقيقي. كذلك، من المهم ألا يبقى لبنان معرضاً لخطر الإدراج على اللوائح الدولية السلبية، لأن ذلك ستكون له انعكاسات خطيرة على الاقتصاد والقطاع المالي.

 

وأمام كل ذلك، يقول الشامي: أنا شخصياً لم أندم على خوض التجربة الوزارية، فهي كانت غنية على المستوى الشخصي، لأنني رأيت كيف تعمل المؤسسات من الداخل، أو بالأحرى، لا تعمل. لكنها كانت أيضاً محبطة في كثير من الأحيان. مع ذلك، ما زلت أشجع أصحاب الكفاءات على دخول الشأن العام، لأن الإصلاح يحتاج إلى أشخاص مؤمنين به، ولا يمكن أن نترك الساحة فارغة لأن هناك منظومة تعرقل التغيير. علينا أن نستمر في المحاولة حتى تتحقق النتائج.

 

وفي كتابه، تطرق الشامي أيضاً إلى الإعلام، فقال: «أنا من الأشخاص الذين يؤمنون كثيراً بدور الإعلام، خصوصاً في الأزمات. فالإعلام يجب أن يشرح للناس طبيعة الأزمة، وما هي الخيارات المتاحة، ولماذا تُتخذ بعض القرارات الصعبة، وأن يساعد في بناء التفاهم حول الإصلاحات، لا أن يحرض الناس عليها من دون شرح. لدي احترام كبير لرسالة الإعلام عندما يؤدي دوره المهني.

 

لكن ما حصل خلال الأزمة الاقتصادية والمالية هو أن هشاشة الوضع الإعلامي جعلت بعض الوسائل الإعلامية أكثر عرضة للتأثر بأصحاب النفوذ والمصالح، فباتت تروّج لأجندات لا علاقة لها بالمصلحة العامة أو بالإصلاح الاقتصادي. ولقد تعرضت لحملات استهدفتني شخصياً، لكنني لم أعرها أي اهتمام ولم أغيّر مواقفي بسببها. على العكس، زادتني قناعة بأن ما أقوم به كان صحيحاً، لأنه بدأ يهدد مراكز النفوذ ومجموعات الضغط ومصالحها الخاصة، ومن هنا جاءت الهجمة الشخصية عليّ دفاعاً عن هذه المصالح.

 

وأعتقد أن جزءاً من الإعلام في لبنان بدأ يفقد صدقيته عندما أصبح التهريج والمزايدات أهم من النقاش الجدي. طبعاً، أي إنسان يتأثر عندما يتعرض للإساءة الشخصية أو للتجريح، لكن ذلك لم يدفعني إلى التراجع عن قناعاتي. وإذا كانت هناك انتقادات موضوعية، فأنا أرحب بها.

 

ويتناول الكتاب علاقة الشامي بالرئيس نجيب ميقاتي، فيقول: كانت العلاقة جيدة ومهنية. وأقدّر للرئيس ميقاتي خبرته السياسية، وهدوءه، وقدرته على التعامل مع أصعب الظروف، كما أقدّر حرصه على تجنيب البلد مزيداً من الأضرار.

 

وهنا يشير الشامي إلى أنه قد تكون لدينا أحياناً مقاربات مختلفة حول بعض المواضيع. أنا كنت أميل إلى الوضوح والصراحة، فيما كان الرئيس ميقاتي يراعي التوازنات السياسية ويحاول الوصول إلى حلول قابلة للتطبيق. لكن من المهم أن أقول إنه لم يطلب مني يوماً تغيير موقفي أو تعديل قناعاتي، مع تشديده على أن المشكلة الأساسية كانت في أن الحكومة بمجملها لم تكن تسير في مشروع إصلاحي واحد، إذ إن عدداً من الوزراء لم يكن مؤمناً فعلياً بمسار الإصلاح.

 

إذاً، الكتاب ليس محاولة لتبرئة الشامي نفسه من الأخطاء، وقد يكون أخطأ، لأنه ليس من إنسان يعمل ولا يخطئ، كما يقول. وربما لو عاد الزمن لكان استخدم تعابير مختلفة في بعض المواقف، أو اختار كلمات أدق في اللغة العربية في بعض النصوص، خصوصاً أن بعض النصوص تُرجمت من الإنكليزية إلى العربية. لكن، في الجوهر، لا يندم الشامي على قول الحقيقة، لأن ضميره كان يفرض عليه أن يقولها، ولأنه لم تكن لديه مصلحة شخصية، ولم يكن متمسكاً بالمنصب.

 

يروي الكتاب تجربة الشامي داخل الحكومة، ويعرض الصراع بين المبادئ والإصلاح من جهة، والواقع السياسي والتسويات من جهة أخرى، على أمل أن يفتح نقاشاً جدياً حول كيفية إنجاز الإصلاحات في الحكومات الحالية والمقبلة.

 

كما يتضمن جانباً شخصياً يتناول المحطات التي شكّلت شخصيته، ومنها نشأته في بيئة غير طائفية، وإيمانه بأن التنوع في لبنان هو مصدر غنى إذا أُحسن إدارته، وأن الإنسان يجب أن يُحكم عليه بأخلاقه ومبادئه، لا بطائفته أو دينه.

 

ويتحدث أيضاً عن تجربته في السفر والعمل في سن مبكرة والاعتماد على النفس، وهي تجربة عززت استقلاليته ورفضه لأي تبعية أو مساومة على قناعاته.

 

أما تجربته في صندوق النقد الدولي، فيعتبرها محطة أساسية لأنها علّمته قيمة العمل ضمن فريق يضم أشخاصاً من جنسيات وثقافات مختلفة، وأن التنوع في الآراء يؤدي إلى قرارات أفضل عندما يُدار بطريقة صحيحة. كل هذه التجارب انعكست على مواقفه داخل الحكومة، سواء في الملفات الاقتصادية أو في القضايا الوطنية، إذ كان يرفض المساومات التي يرى أنها تضر بمصلحة لبنان أو بمبدأ قيام الدولة.