فالحراك السياسي والدبلوماسي الذي شهدته الأسابيع الأخيرة، وما رافقه من اهتمام عربي ودولي متجدد بلبنان، يوحيان بأن البلاد دخلت مرحلة مختلفة. إلا أن هذه المرحلة لا تُقاس بعدد الزيارات الرسمية أو حجم الوعود الخارجية، وآخرها الوعود الأميركية، بل بقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة هذا الاهتمام إلى قرارات وإجراءات تعيد الاعتبار إلى مؤسساتها.
وتشير أوساط سياسية إلى أن الرسائل التي حملتها اللقاءات التي عقدها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع عدد من المسؤولين الدوليين والعرب تكاد تتقاطع عند نقطة واحدة، وهي أن المجتمع الدولي مستعد لمواكبة خروج لبنان من أزماته، لكنه ينتظر من الدولة اللبنانية أن تثبت قدرتها على الإمساك بقرارها، وإطلاق الإصلاحات، وتعزيز مؤسساتها الأمنية والإدارية والقضائية.
ومن هنا، تبدو المؤسسة العسكرية في صلب المرحلة المقبلة. فالدعم الذي تؤكد واشنطن وعدد من العواصم الغربية والعربية استعدادها لتقديمه إلى الجيش لا يُقرأ على أنه مجرد مساعدة عسكرية، بل كجزء من رؤية تعتبر أن قيام دولة قوية يبدأ من وجود مؤسسات شرعية قادرة على حماية الاستقرار وفرض القانون. إلاّ أن البيان الأخير لقيادة الجيش، وما يُرسم حوله من علامات استفهام، قد يعيد عقارب الساعة إلى ما قبل لقاء الرئيسين عون وترامب.
لكن بناء الدولة، وفق تصوّر بعض السياسيين المخضرمين لا يقتصر على الأمن وحده. فالدولة التي يطالب بها اللبنانيون والمجتمع الدولي هي أيضًا دولة قضاء مستقل، وإدارة حديثة، ومؤسسات مالية شفافة، واقتصاد قادر على استعادة ثقة المستثمرين والأسواق. ولذلك، فإن الإصلاحات لم تعد مطلبًا تقنيًا يطرحه صندوق النقد الدولي أو الدول المانحة، بل أصبحت جزءًا من معركة استعادة الدولة نفسها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا المسار سيصطدم بتحديات داخلية كبيرة. فلبنان لا يزال يعيش انقسامات سياسية عميقة حول ملفات أساسية، من الإصلاح الاقتصادي إلى القضايا السيادية، كما أن أي تغيير في موازين القوى أو في آليات إدارة الدولة يحتاج إلى توافق سياسي واسع، وليس إلى قرارات أحادية. لكن التعيينات الأخيرة، وما رافقها من ملابسات ومخالفات للأصول، لا توحي بأن السلطة الحالية، ممثلة بحكومة تفتقر قرارتها إلى معايير موحدة ومنسجمة مع ما يسعى إليه رئيس الجمهورية، قادرة على نقل لبنان من ضفّة إلى أخرى بأقل أضرار ممكنة.
إلى جانب ذلك، تبقى البيئة الإقليمية عاملاً مؤثرًا. فالتحولات الجارية في سوريا، وإعادة ترتيب العلاقات في المشرق، والتجاذب المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، كلها عناصر ستنعكس على لبنان، سواء سلبًا أو إيجابًا. وهذا يعني أن معركة بناء الدولة لن تُحسم في الداخل وحده، لكنها أيضًا لن تنجح إذا بقي القرار اللبناني أسيرًا لحسابات الخارج.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت هناك إرادة دولية لمساعدة لبنان، بل ما إذا كانت هناك إرادة لبنانية لاستثمار هذه اللحظة. فالتاريخ اللبناني مليء بالفرص التي ضاعت بسبب الانقسامات، وبالمبادرات التي تعثرت نتيجة غياب القرار الموحد.
لذلك، فإن المرحلة الحالية قد تشكل فرصة نادرة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، شرط أن يدرك اللبنانيون أن بناءها ليس مشروع رئيس أو حكومة أو مؤسسة بعينها، بل مشروع وطني يحتاج إلى شراكة سياسية، وإصلاحات فعلية، وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن.
قد لا تكون معركة بناء الدولة قد حُسمت، لكنها تبدو اليوم أكثر حضورًا من أي وقت مضى، أقّله مظريًا، وإذا أحسن لبنان استثمار هذا الظرف، فقد تكون هذه بداية انتقاله من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات. أما إذا أُهدرت الفرصة مرة جديدة، خاصة في ظل حكومة فيها هذا الكمّ من التناقضات، فسيبقى اللبنانيون يدورون في الحلقة المفرغة نفسها، فيما تتغير المنطقة من حولهم بوتيرة متسارعة، ومن بينها سوريا على وجه التحديد.
هل بدأت فعلًا معركة بناء الدولة؟

لم يعد السؤال المطروح في الأوساط السياسية اللبنانية يتمحور حول ما إذا كان لبنان يحتاج إلى بناء دولة حقيقية فاعلة وقادرة تبدأ من التعيينات الإدارية وفقًا للأصول والقوانين والأعراف ولا تنتهي عند بسط سلطتها كاملةً على كل شبر من أراضيها، سواء تلك التي لا تزال إسرائيل تحتّلها أو تلك التي لا تزال خارج هذه السلطة في الداخل اللبناني، بل حول ما إذا كانت معركة بنائها قد بدأت فعلاً، بعد سنوات طويلة طغى فيها منطق التسويات المؤقتة على منطق المؤسسات، وتقدمت فيها الأزمات على حساب مشروع الدولة.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك