شكّل الحديث عن استعداد حركة “حماس” للدخول في ترتيبات تتعلق بسلاحها، ضمن أي تسوية شاملة، تطوراً سياسياً لافتاً، ليس لأنه يحسم مصير هذا السلاح، بل لأنه يعكس حجم التحولات التي تشهدها المنطقة بعد سنوات طويلة من الصراعات المفتوحة.
وفي لبنان، أعاد هذا التطور طرح سؤال لم يعد مقتصراً على الأوساط السياسية، بل بات جزءاً من النقاش العام ويتمحور حول مدى انعكاس المسار الإقليمي على مقاربة “حزب الله” لملف سلاحه، أم أن خصوصية الساحة اللبنانية تجعل المقارنة غير دقيقة؟
في رأي بعض المحللين السياسيين أن هناك اختلافات جوهرية بين التجربتين. فـ”حماس” حركة فلسطينية تعمل ضمن سياق يرتبط بالقضية الفلسطينية وبالوضع في قطاع غزة، فيما “حزب الله” هو تنظيم لبناني له حضور سياسي وشعبي وعسكري، ويعد نفسه جزءاً من معادلة الردع مع إسرائيل. ولذلك، فإن إسقاط تجربة على أخرى بصورة آلية قد يقود إلى استنتاجات متسرعة.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة رسم للتوازنات. فالكثير من المسلمات التي حكمت الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين أصبحت موضع مراجعة، سواء بفعل الحروب، أو التفاهمات الإقليمية، أو الضغوط الدولية، أو التحولات في أولويات القوى الكبرى.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان “حزب الله” سيكرر تجربة “حماس”، بل ما إذا كانت البيئة السياسية والأمنية الجديدة ستدفع كل الأطراف إلى إعادة النظر في أدواتها وأدوارها.
من المسلم به في لبنان أن الدولة، كما بات واضحًا، تضع استعادة احتكارها للسلاح في صلب مشروعها السياسي، انطلاقاً من مبدأ أن أي دولة لا تكتمل سيادتها إلا عندما يكون قرار استخدام القوة محصوراً بمؤسساتها الشرعية. وهذا المبدأ يحظى بتأييد شريحة واسعة من اللبنانيين، لكنه يصطدم في الوقت نفسه بتعقيدات داخلية وإقليمية تجعل الوصول إليه أكثر صعوبة.
وفي المقابل، يؤكد “حزب الله” في مواقفه المعلنة أن أي نقاش في مستقبل سلاحه يرتبط أولاً بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وتوافر ضمانات حقيقية لأمن لبنان. وهذا يعني أن مقاربته تنطلق من اعتبارات تختلف عن تلك التي تحكم أي ساحة أخرى.
لكن الثابت أن المنطقة تتغير بسرعة. وما كان يُعد قبل سنوات من الثوابت السياسية أو العسكرية، أصبح اليوم جزءاً من النقاش. لذلك، فإن السؤال الذي سيزداد حضوراً في المرحلة المقبلة ليس حول قبول “حماس” أو رفض “حزب الله”، بل عمّا إذا كانت التحولات الإقليمية ستفرض على جميع القوى إعادة تعريف أدوارها، بما يفتح الباب أمام قيام دولة قادرة على احتكار قرار السلم والحرب.
إلاّ أن مستقبل هذا الملف يبقى مرتبطاً بما ستنتجه التسويات الإقليمية، وبقدرة اللبنانيين على التوصل إلى رؤية وطنية مشتركة حول مفهوم الدولة والسيادة والأمن. فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالمقارنات، بل بالحوار، وبالوقائع التي تفرضها التحولات على الأرض.











اترك ردك