التقرير الصادر في تموز الفائت بعنوان “انعدام الأمن الغذائي والتطرف العنيف: استجابة UNICRI الاستراتيجية”، يشرح أن العلاقة ليست مباشرة أو ثابتة. الجوع يعمل ضمن مجموعة عوامل تشمل فقدان الدخل، وانهيار الخدمات، والنزوح، وضعف المؤسسات وغياب الثقة بالدولة. وعندما تجتمع هذه الظروف، يصبح المال أو الغذاء أو الحماية مدخلاً إلى أشخاص لم يكونوا مستعدين سابقاً للانضمام إلى تنظيم مسلح أو تنفيذ مهمة أمنية.
وتدعم ذلك نتائج دراسة سابقة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي شملت نحو 2200 شخص في ثماني دول أفريقية، بينهم أكثر من ألف عضو سابق في جماعات متطرفة. فقد قال 25 في المئة من المجندين طوعاً إن فرصة العمل كانت السبب الأساسي لانضمامهم، فيما كان 40 في المئة منهم بحاجة ملحّة إلى مصدر رزق وقت التجنيد. أما الدافع الديني، فجاء بعد العوامل الاقتصادية وتأثير الأصدقاء والعائلة.
التجنيد يبدأ بمهمة صغيرة
لا تبدأ عملية التجنيد دائماً بطلب حمل السلاح أو تسليم معلومات عسكرية. قد تبدأ بإعلان عمل، أو مساعدة مالية، أو طلب تصوير شارع أو مبنى لقاء مبلغ محدود. بعد تنفيذ المهمة الأولى، ينتقل المشغّل إلى طلبات أكثر حساسية، مستفيداً من حاجة الشخص إلى المال، أو من المعلومات التي بات يملكها عنه ويمكن استخدامها للضغط عليه. هذه الآلية لا تقتصر على التنظيمات المتطرفة، إذ إنّ أجهزة الاستخبارات تستخدم الأدوات نفسها. وهنا يلتقي تقريرUNICRI مع الحالة اللبنانية، فالتطرف والعمالة ليسا ظاهرة واحدة، لكنهما يستفيدان من البيئة نفسها: الفقر، والبطالة، وضعف الحماية الاجتماعية، وسهولة الوصول إلى المحتاجين عبر الإنترنت.
لبنان: واحد من كل أربعة يواجه أزمة غذائية
بين نيسان وآب 2026، يُتوقع أن يواجه 1.24 مليون شخص في لبنان، أي نحو ربع السكان المشمولين بالتحليل، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. وكان العدد يبلغ 874 ألفاً قبل التصعيد الأخير، ما يعني أن الحرب والنزوح وارتفاع الأسعار دفعت مئات آلاف الأشخاص مجدداً إلى حافة الأزمة.
هذه الأرقام لا تعني أن الفقراء مرشحون للعمالة، ولا يجوز التعامل معهم باعتبارهم خطراً أمنياً. الغالبية الساحقة منهم تتحمل ظروفها من دون ارتكاب أي جرم. لكنها تعني أن المجتمع أصبح يضم عدداً أكبر من الأشخاص الذين يبحثون عن وظيفة أو مساعدة عاجلة، وهذا بالضبط ما تبحث عنه جهات التجنيد.
ظهر هذا الأسلوب بوضوح بعد الانهيار الاقتصادي عام 2019. ففي نهاية عام 2022، أفادت مصادر أمنية بأن لبنان أوقف 185 شخصاً بشبهة التعامل مع إسرائيل، بينهم 182 قيل إنهم جُنّدوا بعد بداية الأزمة. وأُحيل 165 إلى القضاء، فيما صدرت أحكام بحق 25 منهم حتى ذلك الوقت. وبحسب المصادر، استُخدمت شركات وهمية وإعلانات وظائف على مواقع التواصل للوصول إلى لبنانيين يبحثون عن عمل. والمفارقة أن بعض المتقدمين لم يعرفوا منذ البداية أنهم يتواصلون مع جهة إسرائيلية. تبدأ العلاقة تحت عنوان وظيفة أو مؤسسة أجنبية، قبل أن تتضح طبيعة المهمات. لكن التحقيقات تحدثت أيضاً عن أشخاص بادروا بأنفسهم إلى مراسلة الموساد بحثاً عن المال.
معلومات تحولت إلى أهداف
خلال عام 2025، أوقفت الأجهزة اللبنانية 32 شخصاً بشبهة تزويد إسرائيل بمعلومات ساعدت في استهداف عناصر ومسؤولين في حزب الله. ووفق مصدر قضائي حوكم تسعة منهم أمام المحكمة العسكرية، وصدر حكمان بالأشغال الشاقة لمدة ثماني وسبع سنوات. وتعلقت الاتهامات بتسليم إحداثيات وعناوين وأسماء مسؤولين، إضافة إلى معلومات عن السيارات التي يستخدمونها. أما بقية الملفات فكانت لا تزال قيد التحقيق عند نشر الأرقام.
وفي آذار 2026، أعلن الأمن العام توقيف ثلاثة أجانب للاشتباه بتعاونهم مع إسرائيل. وقال إن التحقيقات، التي جرت بإشراف القضاء، أظهرت تقديمهم معلومات أمنية حساسة ساهمت في وقوع خسائر بشرية ومادية. لكن هؤلاء أُحيلوا إلى القضاء، ما يعني أن المسؤولية النهائية تبقى مرتبطة بالأحكام القضائية.
وتظهر ملفات معروضة أمام المحكمة العسكرية أن مبالغ التجنيد في بعض القضايا تراوحت بين 2500 و20 ألف دولار مقابل معلومات عن مخازن أسلحة ومكاتب وتحركات. وللمفارقة، تبدو هذه المبالغ كبيرة لشخص فقد مصدر دخله، لكنها صغيرة جداً قياساً بالنتائج التي قد تترتب على المعلومة الواحدة.
ولم يعد التجنيد يجري سراً فقط. ففي 13 آذار، حذر الجيش اللبناني من منشورات ألقتها طائرة إسرائيلية فوق بيروت، تضمنت رموزاً إلكترونية تقود إلى حسابات على “واتساب” و”فايسبوك” مرتبطة بالوحدة 504، وهي وحدة الاستخبارات البشرية في الجيش الإسرائيلي المعنية بتجنيد العملاء. كما حذر من إمكان اختراق الهواتف والوصول إلى بيانات أصحابها.
الأمن لا يبدأ بعد التوقيف
ولكن على عكس ما يجب أن يكون على الأرض، أو أقله، بالمقارنة مع حوادث متشابه قد تحصل في دول أو أماكن أخرى، ومن بينها إسرائيل، فإنّ المواجهة الأمنية وحدها تأتي متأخرة. توقيف العملاء والمجندين ضروري، لكنه يحصل غالباً بعد تسليم معلومات أو تنفيذ مهمات. الوقاية تبدأ قبل ذلك، وتنطلق من حماية اجتماعية منتظمة، فرص عمل، دعم المناطق المتضررة، مراقبة إعلانات الوظائف الوهمية، وتوعية الباحثين عن العمل بأساليب التجنيد الرقمي.
الفقر لا يبرر العمالة ولا يسقط المسؤولية القانونية عن أي شخص تعمد مساعدة إسرائيل. لكنه يكشف ثغرة تستغلها أجهزة الاستخبارات بكلفة محدودة. وعندما يترك البلد مئات آلاف الأشخاص من دون دخل أو غذاء كافٍ، لا تبقى الأزمة في نطاق الاقتصاد، بل تصبح أيضاً ملفاً أمنياً.
“عن طريق الجوع”.. كيف استُخدمت لقمة العيش لتجنيد العملاء في لبنان؟

لا يقول تقرير معهد الأمم المتحدة الإقليمي لأبحاث الجريمة والعدالة إن الجائع يتحول تلقائياً إلى متطرف أو عميل. الخلاصة أكثر دقة: انعدام الأمن الغذائي لا يصنع التطرف وحده، لكنه يفاقم الشعور بالظلم ويضعف قدرة الأفراد على الرفض، فتستغل الجماعات المسلحة هذه الهشاشة في التجنيد وشراء النفوذ والسيطرة.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0









اترك ردك