هذه المشاهد في لافال – كندا وليس في بيروت (بالصور)

في عدد من أحياء مدينة لافال، ضاحية من ضواحي مدينة مونتريال، بدأت مشكلة كانت تُعتبر في السابق مجرد خلل في جمع النفايات تأخذ أبعاداً أكثر إثارة للقلق. فحاويات القمامة تفيض، وأكياس النفايات تتراكم حول نقاط التجميع، ومع ارتفاع درجات الحرارة تصبح الروائح الكريهة صعبة الاحتمال.
وبالنسبة إلى المواطنين، لم تعد المسألة مجرد قضية تتعلق بالراحة أو المظهر العام للمدينة، بل أصبحت النظافة في الأماكن العامة مرتبطة مباشرة بنوعية الحياة، وقد تتحول، في بعض الظروف، إلى قضية حقيقية تتصل بالصحة العامة.

فتراكم النفايات لفترات طويلة يوفر بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والقوارض، ويمكن أن يؤدي بسرعة إلى تدهور الظروف الصحية المحيطة بالمباني السكنية والمدارس والمتاجر والأماكن التي يرتادها السكان يومياً.
قد تبدو المقارنة مع لبنان مفاجئة، لكنها تسمح بإدراك أهمية الإدارة الفعالة للنفايات.
ففي لبنان، تحولت أزمة النفايات، على مدى سنوات، إلى رمز لفشل الإدارة العامة. وفي مناطق عدة، واجه المواطنون تراكم النفايات في الشوارع، والروائح الكريهة، والمكبات العشوائية، وغياب الحلول المستدامة. وقد تجاوزت قضية النفايات هناك مشكلة جمعها، لتكشف عن أزمة بنيوية في الحوكمة والبنية التحتية والتخطيط البيئي.
ومن حسن الحظ أن لافال لا تواجه أزمة بهذا الحجم. فهي تمتلك البنى التحتية والموارد البلدية والأطر التنظيمية والإمكانات التقنية التي يفترض أن تتيح لها منع الوصول إلى مثل هذه الحالة. ولهذا تحديداً، يحق للمواطنين أن يكونوا أكثر تشدداً في مطالبهم.
فالمدينة الحديثة لا ينبغي أن تنتظر حتى تتراكم النفايات، وتصبح الروائح لا تُحتمل، وتتزايد الشكاوى قبل أن تتحرك. بل عليها أن تكون قادرة على استباق الفترات الحرجة وتكييف خدماتها مع واقع أحيائها.
إن النمو السكاني في لافال، وارتفاع الكثافة السكنية، وتغير أنماط الاستهلاك، تفرض أيضاً إعادة التفكير في إدارة النفايات.
فخلال فصل الصيف، تسرّع الحرارة عملية تحلل المواد العضوية وتؤدي إلى تفاقم الروائح بشكل كبير. وقد يصبح جدول جمع النفايات الذي يمكن أن يكون مقبولاً خلال الفترات الباردة غير كافٍ خلال موجات الحر.
لذلك، ينبغي للبلدية أن تدرس إجراءات تتناسب مع الفترات الحرجة، ومنها زيادة وتيرة جمع النفايات بصورة مؤقتة، وتنظيف الأماكن المحيطة بالحاويات بشكل أكثر انتظاماً، وتعزيز عمليات التفتيش، والتدخل السريع عند الإبلاغ عن أي حالة تراكم أو فيضان للحاويات.
وفي الوقت نفسه، لا بد من تعزيز مسؤولية المواطنين. فالإدارة الفعالة للنفايات تقوم على شراكة بين البلدية وأصحاب العقارات ومديري المباني وأصحاب المتاجر والسكان. لكن هذه المسؤولية المشتركة لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت الخدمة البلدية منتظمة ويمكن التنبؤ بها.
فسكان لافال يدفعون ضرائب بلدية غير قليلة، ومن حقهم أن يتوقعوا خدمات تتناسب مع احتياجات مدينة حديثة.
فنظافة الشوارع والأرصفة والأماكن العامة ليست ترفاً، بل هي أحد المؤشرات الأساسية على جودة الإدارة البلدية.
وعندما يخرج المواطن من منزله ويجد نفسه مضطراً للتعامل مع حاويات فائضة عن قدرتها وروائح كريهة مستمرة، فإن الأمر لا يؤثر فقط على المشهد البصري المحيط به، بل ينعكس أيضاً على شعوره بالراحة والأمان والانتماء إلى مدينته.
وقد بنت لافال على مدى السنوات الماضية سمعة باعتبارها مدينة حيوية وعائلية وجاذبة للسكان. ولذلك لا يمكنها أن تتعامل مع مشكلة من هذا النوع باعتبارها أمراً هامشياً أو موسمياً، خصوصاً إذا لم تتم معالجتها بالسرعة المطلوبة.
يقدم لبنان، للأسف، مثالاً على ما يمكن أن يحدث عندما لا تتم معالجة مشكلة بيئية في الوقت المناسب، فتتطور تدريجياً وتتحول إلى أزمة بنيوية.
فالفرق بين مدينة تسيطر على مشكلاتها ومدينة تصبح أسيرة لها يكمن في كثير من الأحيان في أمر واحد: القدرة على الاستباق والتخطيط.
سكان لافال لا يطلبون المستحيل. إنهم يطلبون شوارع نظيفة، وخدمة جمع نفايات موثوقة، وبيئة تليق بمدينة حديثة.
وتملك بلدية لافال الوسائل والكفاءات والموارد الضرورية للاستجابة لهذه المطالب.
ويبقى عليها أن تثبت أن الصحة العامة، والنظافة الحضرية، ونوعية حياة المواطنين ليست مجرد شعارات، بل أولويات بلدية حقيقية.