الحرب التي لا يريدها نتنياهو.. والتصعيد الذي يحتاجه

رغم كل التقديرات التي سادت في الفترة الماضية بأن نتنياهو لن يذهب إلى تصعيد واسع في لبنان، خصوصاً عشية الاستحقاقات الانتخابية وما يرافقها من حساسية أمنية في الشمال الإسرائيلي، فإن ما يجري اليوم على محور “علي الطاهر” يوحي بأن معادلة التصعيد قد تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.

الفكرة الأساسية التي قامت عليها فرضية “عدم التصعيد” كانت منطقية: نتنياهو لا يريد جبهة لبنانية واسعة تعيد سكان الشمال الإسرائيلي إلى الملاجئ، ولا يريد أن تتحول الحدود الشمالية إلى مصدر تهديد انتخابي داخلي، بعدما شكّل ملف إجلاء المستوطنين من مستوطنات الشمال واحدة من أكثر نقاط الضعف السياسية والأمنية بالنسبة إلى حكومته. لكن المشكلة في هذه القراءة أنها تفترض أن التصعيد يجب أن يكون شاملاً حتى يكون ذا قيمة سياسية، وهذا ليس بالضرورة صحيحاً.

ما نشهده في علي الطاهر يمكن قراءته بوصفه نموذجاً معاكساً تماماً: تصعيد محدود جغرافياً، شديد الرمزية، ومنخفض الكلفة السياسية، لكنه يحمل في حال نجاحه قيمة أمنية وإعلامية وانتخابية كبيرة.

الزاوية الأهم، أن نتنياهو قد لا يحتاج، لأسباب انتخابية، إلى حرب جديدة في لبنان. قد يحتاج فقط إلى “إنجاز” عسكري يمكن تسويقه داخل إسرائيل، وهذا فرق جوهري.

الحرب الشاملة تحمل أكلافاً كبيرة: تعبئة قوات، خسائر بشرية، اضطراب اقتصادي، موجات صواريخ، احتمال عودة إجلاء سكان الشمال، وفتح مسار لا يمكن ضمان نهايته. أما السيطرة على نقطة مرتفعة أو فرض حزام أمني حولها، فتقدم صورة مختلفة تماماً: الجيش الإسرائيلي يتحرك، يحقق مكسباً ملموساً، ويستطيع نتنياهو أن يقول لجمهوره إن الأمن الإسرائيلي يتحسن وإن “المعادلة على الحدود تغيّرت” من دون الدخول في حرب مفتوحة.

بهذا المعنى، قد تكون علي الطاهر أقرب إلى “إنجاز انتخابي محدود” من كونها مقدمة تلقائية إلى حرب شاملة.

والأهم أن قيمة التلة لا تتوقف عند بعدها العسكري؛ في السياسة الإسرائيلية، للرمزية الجغرافية وزن كبير. فالسيطرة على ارتفاع استراتيجي يمكن تقديمها بصيغة أبسط وأكثر تأثيراً على الجمهور: “موقع يهدد إسرائيل تم تحييده”، “ارتفاع استراتيجي أصبح تحت السيطرة”، “الجيش فرض واقعاً جديداً على الحدود”.

هذه اللغة قد تكون أكثر فاعلية انتخابياً من الحديث عن عملية عسكرية طويلة لا يعرف الإسرائيليون إلى أين ستقود.

لكن هناك زاوية أخرى أكثر أهمية: التصعيد حول علي الطاهر قد يكون أيضاً اختباراً لرد الفعل اللبناني والإقليمي.

إسرائيل لا تتحرك فقط بهدف احتلال موقع، أحياناً تتحرك لقياس حدود الرد؛ ماذا سيفعل الجيش اللبناني؟ ماذا سيفعل حزب الله؟ وكيف ستتعامل واشنطن مع العملية؟ وهل يمكن تمرير تغيير ميداني جديد تحت سقف “الدفاع الوقائي”؟

إذا جاءت الإجابات ضمن حدود يمكن التحكم بها، فإن إسرائيل تكون قد حصلت على أكثر من موقع جغرافي: تكون قد اكتشفت مساحة جديدة للمناورة السياسية والعسكرية.

وهنا يصبح علي الطاهر جزءاً من معادلة أوسع: الانتقال من مرحلة “هل ستنسحب إسرائيل؟” إلى مرحلة “ما الحدود التي يمكن لإسرائيل أن تحتفظ بها أو تغيّرها قبل أن يصبح الأمر غير مقبول؟”، وهذا فارق بالغ الخطورة.

لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أن تسيطر إسرائيل على تلة، بل في أن تتحول السيطرة المؤقتة إلى واقع دائم، ثم إلى خط تماس جديد، ثم إلى أمر واقع يجري التفاوض على أساسه.

إسرائيل اليوم قد لا تبحث عن “حرب لبنان” بقدر ما تبحث عن “هندسة جديدة للحدود”.

وهذه الهندسة يمكن أن تتم بالتقسيط: نقطة هنا، ارتفاع هناك، طريق عسكري، منطقة عازلة، مراقبة جوية، ثم واقع أمني جديد يصبح لاحقاً موضوعاً للتفاوض.

أما نتنياهو، فقد يجد في هذه المقاربة أفضل ما يمكن أن يحصل عليه انتخابياً: الحرب من دون إعلان حرب، والتصعيد من دون تعبئة جبهة كاملة، والمكسب العسكري من دون تحمل كامل كلفة الحرب.

لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة كبيرة أيضاً، لأن إسرائيل إذا بالغت في توسيع التصعيد الموضعي، فقد تقع في الفخ الذي تحاول تجنبه أصلاً. عملية تبدأ بهدف السيطرة على ارتفاع قد تتحول إلى احتكاك أوسع، ثم إلى رد من الطرف المقابل، ثم إلى رد إسرائيلي أكبر، وفي هذه النقطة تصبح الحسابات الانتخابية عاجزة عن ضبط الميدان.

إذا السؤال الأدق هو: “كم من لبنان يحتاج نتنياهو انتخابياً كي يقول للإسرائيليين إنه انتصر، من دون أن يعيدهم إلى حرب كاملة؟”.

إذا كانت الإجابة هي علي الطاهر وأشباهها من النقاط الاستراتيجية، فإن ما يجري ليس تناقضاً مع فرضية عدم الرغبة في حرب شاملة، بل قد يكون تطبيقاً أكثر ذكاءً لها.

وعليه، فإن علي الطاهر قد تكون اليوم أكثر من جبهة ميدانية، قد تكون اختباراً لنظرية إسرائيلية جديدة في الجنوب.

وإذا نجحت هذه النظرية، فقد لا يكون نتنياهو بحاجة إلى تهجير سكان الشمال الإسرائيلي كي يحقق مكسباً انتخابياً.

قد يكون كافياً بالنسبة إليه أن يظهر على الشاشات من موقع مرتفع جديد، ويقول إن إسرائيل باتت أكثر أمناً من الأمس.