لكن هذا السيناريو بدأ يتراجع. فما كان يُطرح كاحتمال لتدخل سوري مباشر، بات اليوم أقرب إلى دور أمني وسياسي غير مباشر.
والسبب لا يرتبط بتغير الموقف من “حزب الله” بقدر ما يرتبط بحسابات دمشق وواشنطن وطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة.
فالمعادلة الأولى التي اصطدمت بها فكرة التدخل السوري هي أن سوريا نفسها لا تزال في مرحلة إعادة بناء الدولة والجيش والمؤسسات. فالقيادة الجديدة في دمشق تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية داخلية، ولا تبدو مستعدة لتحمل كلفة فتح جبهة عسكرية خارج حدودها.
صحيح أن العلاقة بين دمشق و”حزب الله” تغيرت جذريًا، لكن ذلك لا يعني أن سوريا تريد الدخول في مواجهة مفتوحة معه داخل لبنان. فالحزب ليس مجرد مجموعة مسلحة يمكن تفكيكها بعملية عسكرية سريعة، بل يمتلك بنية تنظيمية واسعة، وخبرة قتالية كبيرة، وشبكات سياسية واجتماعية، فضلًا عن قدرته على خوض مواجهة طويلة إذا شعر أن وجوده مهدد.
ومن هنا، تدرك دمشق أن الدخول في مواجهة معه قد يفتح عليها حربًا لا تعرف كيف تنتهي، وقد يعيد إنتاج الدور السوري في لبنان بطريقة تريد القيادة الجديدة الابتعاد عنها بالكامل.
لكن المصلحة السورية لا تتطلب بالضرورة دخول الجيش إلى لبنان. فدمشق تستطيع الضغط على “حزب الله” من موقع آخر وهو الحدود.
وهنا تصبح السيطرة على الحدود السورية-اللبنانية أكثر أهمية من أي تدخل عسكري مباشر. فمنع تهريب السلاح، وتشديد الرقابة على المعابر، وملاحقة الشبكات المرتبطة بالحزب، ومنع استخدام الأراضي السورية كممر لإعادة بناء قدراته، كلها خطوات يمكن أن تضعف الحزب من دون أن تطلق حربًا جديدة.
وبذلك، يتحول الدور السوري من “محاربة حزب الله” إلى منع الحزب من استعادة البيئة الإقليمية التي سمحت له في السابق ببناء قوته. وهذا الدور قد يكون أكثر فاعلية على المدى الطويل، لأنه يضعف قدرات الحزب من دون أن يحمّل دمشق كلفة مواجهة عسكرية مباشرة.
وإذا كانت الولايات المتحدة تريد الحد من نفوذ “حزب الله”، فإن ذلك لا يعني أنها تريد تحويل سوريا إلى ساحة حرب جديدة. فواشنطن لديها مصلحة في تثبيت الوضع السوري، وإبعاد دمشق عن إيران، ودفعها نحو علاقات أكثر انفتاحًا مع الغرب والدول العربية. ومن الصعب تحقيق هذه الأهداف إذا جرى دفع القيادة السورية إلى مواجهة عسكرية داخل لبنان.
فأي حرب سورية-حزب الله قد تنتج سلسلة من التداعيات غير المحسوبة، من اضطرابات على الحدود وموجات نزوح، إلى توترات طائفية وربما تدخل أطراف إقليمية أخرى. لذلك، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية بالنسبة إلى واشنطن هو استخدام النفوذ السوري كأداة ضغط، لا استخدام الجيش السوري كقوة قتالية.
وهناك أيضًا عامل إسرائيلي لا يمكن تجاهله. فسوريا تحاول تثبيت وضعها الأمني والسياسي في مواجهة إسرائيل، وتتعامل مع مرحلة شديدة الحساسية على حدودها. وفي مثل هذه الظروف، فإن فتح جبهة جديدة في لبنان قد يضع دمشق أمام معادلة أكثر تعقيدًا. وأي تحرك سوري ضد “حزب الله” يمكن أن يؤدي إلى احتكاك مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل، خصوصًا إذا توسعت المواجهة أو تغيرت قواعد الاشتباك.
ومن وجهة نظر دمشق، ليس من المنطقي أن تخرج من سنوات الحرب لتدخل في حرب جديدة من أجل ملف لبناني شديد الحساسية.
والعامل الأهم ربما هو أن نزع سلاح “حزب الله” يُراد له أن يتحول إلى قضية لبنانية تقودها الدولة اللبنانية، وليس إلى عملية تنفذها دولة أخرى.
فإذا كان الهدف هو تعزيز سلطة الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة، فإن دخول الجيش السوري إلى لبنان قد يخلق تناقضًا سياسيًا واضحًا: كيف يمكن بناء دولة قوية في لبنان عبر تدخل عسكري خارجي؟ ولهذا السبب، تبدو المعادلة الحالية ان يتولى لبنان المسار الداخلي، فيما تضبط سوريا الحدود، ويتكفل الضغط الدولي بالمسار السياسي والأمني.
وهذه الصيغة لا تعني أن سوريا أصبحت بعيدة عن ملف “حزب الله”، بل إن دورها أصبح مختلفًا. فبدل أن يكون السؤال، هل ستدخل سوريا إلى لبنان لنزع سلاح الحزب؟ أصبح السؤال، هل تستطيع سوريا منع الحزب من إعادة بناء قدراته عبر أراضيها؟
وهنا تكمن أهمية التحول. فالحزب قد يحتفظ بسلاحه داخل لبنان، لكن قدرته على إعادة تنظيم خطوط الإمداد الخارجية، واستعادة شبكاته الإقليمية، والحصول على موارد عسكرية عبر سوريا، أصبحت أكثر صعوبة.
وبالتالي، قد يكون الضغط الهادئ على الحدود أكثر أهمية من التهديد العلني بالتدخل، خصوصًا أن الهدف النهائي لا يتعلق فقط بما يملكه الحزب من سلاح اليوم، بل بقدرته على إعادة بناء ما خسره غدًا.
وتراجع التهديد باستخدام سوريا لنزع سلاح “حزب الله” لا يعني أن دمشق تراجعت عن مواجهة نفوذه، ولا أن واشنطن تخلت عن هدف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بل يعني أن الجميع بدأ يدرك أن الحرب ليست الطريق الأقصر إلى نزع السلاح.
فدمشق لا تريد العودة إلى لبنان كقوة عسكرية، وواشنطن لا تريد زعزعة استقرار سوريا، وإسرائيل لا تريد فتح مسار إقليمي جديد يصعب التحكم به، فيما يبقى المطلوب لبنانيًا أن تتولى الدولة والجيش هذه المهمة.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس دخول سوريا إلى لبنان، بل ابتعادها عن أي مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الحدود، وقطع طرق الإمداد، ومنع إعادة بناء نفوذه الإقليمي.
وهكذا، لم يختفِ الضغط على الحزب، بل انتقل من التهديد بالحرب إلى تقليص قدرته على إعادة بناء قوته. وقد يكون هذا المسار، الهادئ والأقل صخبًا، هو الأكثر تأثيرًا في رسم المرحلة المقبلة؛ إذ إن المعركة لم تعد بالضرورة حول كيفية انتزاع السلاح بالقوة، بل حول كيفية منع إعادة إنتاج القوة التي جعلت من سلاح “حزب الله” إحدى أبرز القضايا الإقليمية في لبنان.












اترك ردك