أوروبا تخشى حرب استنزاف مع روسيا.. و”الناتو” يراهن على معركة قصيرة

تزداد المخاوف داخل دوائر التخطيط الدفاعي المرتبطة بحلف شمال الأطلسي من أن أوروبا، في وضعها الحالي، قد لا تكون قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة مع روسيا، ليس فقط بسبب نقص القدرات العسكرية، بل بسبب ضعف الجاهزية الشعبية لتحمل كلفة حرب ممتدة.


وبحسب صحيفة “The Guardian”، طُرح هذا التقدير المتشائم خلال منتدى عقده مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الأسبوع، حيث حذر مسؤولون دفاعيون من أن الرأي العام الأوروبي غير مهيأ نفسياً وسياسياً لحرب طويلة، ما يدفع مخططي “الناتو” إلى التفكير بسيناريوهات تقوم على صراع أقصر زمناً إذا اندلعت مواجهة مباشرة مع موسكو.

الخلفية الأوسع لهذا القلق هي الشعور بأن روسيا قد تكون تحقق تقدماً في ما يُعرف بالحرب الهجينة ضد أوروبا. فموسكو، وفق هذا التصور، لا تحتاج دائماً إلى الدبابات والطائرات كي تضغط على القارة، بل تستخدم أدوات أخرى: التضليل، الهجمات السيبرانية، التأثير عبر وسائل التواصل، استغلال الانقسامات الداخلية، وضرب الثقة بين الحكومات والشعوب.

وقال وزير بريطاني سابق إن الغرب كان “سيئاً جداً” في شرح حجم الحرب الهجينة مع روسيا للرأي العام. وذهب دبلوماسي بريطاني آخر إلى القول إن رؤساء الحكومات البريطانية المتعاقبين لم يفعلوا شيئاً كافياً لتوضيح حجم التهديد. وبحسبه، ترك ذلك الوزراء أمام مهمة صعبة: إقناع ناخبين غير مستعدين بخفض الإنفاق الاجتماعي لتمويل الدفاع. وأضاف أن مستوى النقاش في هذا الملف كان “على مستوى روضة أطفال”.

وتغذي هذه الانتقادات عجز الحكومة البريطانية عن إطلاق نقاش وطني واسع حول طبيعة التهديد الأمني لأوروبا، رغم أن مراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 دعت إلى ذلك بهدف بناء مناعة داخلية وقدرة وطنية على الصمود.

ولا ينفصل هذا القلق عن السياسة الداخلية الأوروبية. فصعود القوى الشعبوية في دول عسكرية أساسية داخل القارة يهدد خطط تعزيز التنسيق الدفاعي، خصوصاً مع استعداد الولايات المتحدة لتقليص جزء من التزاماتها في الدفاع التقليدي عن أوروبا. وتزداد المخاوف من أن تنعكس الحرب الهجينة الروسية في الانتخابات المقبلة في بولندا وفرنسا وإيطاليا، وكذلك في صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا”.

وتقول الصحيفة إن معظم الأحزاب الشعبوية، ومنها “AfD” الألماني، تبدي تعاطفاً مع روسيا وتدعو إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، وهو ما يضيف بعداً سياسياً مباشراً إلى حسابات الدفاع الأوروبية.

واكتسب النقاش إلحاحاً أكبر بعد اتهام الحكومة الألمانية روسيا بالوقوف خلف محاولة هجوم بطائرة مسيرة على مطار لايبزيغ الشهر الماضي. ووفق المعلومات المطروحة، فإن أحد المشتبه بهم في هجوم 4 آب، الذي انفجرت خلاله مسيرة مسلحة، مواطن بيلاروسي يحمل جواز سفر روسياً، ويبدو أنه دخل أوروبا بتأشيرة سياحية إيطالية.

في المقابل، يدفع مؤتمر ميونيخ للأمن باتجاه تعزيز التنسيق بين القوى العسكرية الأوروبية الخمس الكبرى، في إطار يُعرف بمجموعة “E5”. والهدف من هذه الفكرة هو إدخال بريطانيا، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، إلى قلب التخطيط الدفاعي الأوروبي.

وتترقب أوروبا قرارات أميركية خلال الأشهر المقبلة بشأن انتشار القوات الأميركية، قد تضع القارة فعلياً أمام مسؤولية أكبر في الدفاع التقليدي عن نفسها. لكن المؤتمر شهد اعترافاً بأن الحرب الهجينة الروسية، وتأثير الانتخابات المقبلة، وصعود “AfD” في ألمانيا، كلها تشكل “الفيل في الغرفة” أمام أي تنسيق دفاعي أوروبي أقوى.

ومن بين الأفكار المطروحة أن يصدر الاتحاد الأوروبي بياناً جماعياً يحدد طبيعة التهديد الروسي، بحيث تُدفع القوى الشعبوية إلى قبوله أو رفضه علناً. والهدف هنا ليس عسكرياً فقط، بل سياسي أيضاً: كشف من يقف في مواجهة الرواية الأوروبية المشتركة عن الخطر الروسي.

وتلتقي مجموعة “E5” على مستوى وزراء الدفاع بانتظام، لكنها لا تزال في مراحل مبكرة من الاتفاق على كيفية شراء القدرات العسكرية بشكل مشترك، مثل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، وأنظمة الإنذار المبكر الفضائية، وهي قدرات لا تزال تعتمد إلى حد كبير على الولايات المتحدة.

وقال فولفغانغ إيشينغر، رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، إن أوروبا تعيش حالة ركود في وقت تكتسب فيه التهديدات الخارجية حجماً خطيراً ووجودياً. واعتبر أن هذه التحديات تتطلب تكاملاً دفاعياً أكبر، وأن مجموعة “E5” قد تكون مدخلاً لجمع الدول الأوروبية التي تملك قدرات صناعية دفاعية فعلية. كما أشار إلى إمكان إشراك أوكرانيا لاحقاً في حال التوصل إلى هدنة، باعتبارها باتت تملك الجيش الأكبر والأقوى في أوروبا.

لكن المخاوف لا تقتصر على الأوروبيين. فبعض الدبلوماسيين يخشون أن تعارض واشنطن نفسها قيام ركيزة أوروبية أقوى داخل “الناتو”. وقال أحدهم إن الولايات المتحدة أفضل في الحديث عن “نقل الأعباء” منها في قبول “تقاسم السلطة”.

إيطاليا تبدو من أكثر الدول المعنية بتأثير الحرب الهجينة الروسية على السياسة الداخلية. فحكومة جورجيا ميلوني اليمينية، التي حكمت باعتدال أكبر مما توقع كثيرون وحرصت على تقديم صورة مؤيدة لأوكرانيا خارجياً، أصبحت الأطول بقاء في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

وحذر وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني من أن إيطاليا تتعرض لهجمات سيبرانية يومية، وقال إن البلاد ليست محصنة من احتمال تدخل روسي في الانتخابات الوطنية المقبلة. وهذا التصريح يُعد من أوضح التحذيرات الإيطالية الرسمية من احتمال التلاعب بالانتخابات.

وقال تاياني إن الحرب الهجينة لا تُخاض بالقنابل والطائرات والدبابات فقط، بل بوسائل متعددة أقل وضوحاً. أما وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو، أحد أقرب حلفاء ميلوني، فاعتبر أن تجاهل مستوى التدخل الروسي سيكون “غباوة”. وحذر من أن المجتمعات الأوروبية تفتقر إلى “الأجسام المضادة” أمام هذا النوع من الاختراق، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن كروسيتو أشار أيضاً إلى نقطة أكثر تعقيداً: روسيا لا تخلق كل الأزمات من العدم، بل تستغل مشكلات حقيقية مثل انخفاض الأجور وتعب المجتمعات الغربية من كلفة حرب أوكرانيا. لذلك، فإن نسب كل غضب شعبي إلى التضليل الروسي قد يؤدي إلى قراءة خاطئة لأزمة أوسع داخل المجتمعات الغربية.

في إيطاليا، يُنظر إلى روبرتو فاناتشي، زعيم حزب “Futuro Nazionale” اليميني المتطرف، بوصفه أحد أبرز حاملي الخطاب القريب من موسكو في الانتخابات المقبلة، التي قد تجرى في نيسان. وقد سخر فاناتشي من اتهامه بأنه “مرشح منشوري” لروسيا، قائلاً إن الاعتراض على خط بروكسل لا يجب أن يُعامل كخيانة للغرب.

وفي محاولة لتغيير نظرة الأوروبيين إلى أوكرانيا، بحيث لا تُرى كعبء مالي فقط، بل كمصدر خبرة في الحرب الحديثة، استعان كروسيتو بوزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدوروف مستشاراً غير مدفوع الأجر للابتكار. وامتدح إيشينغر هذه الخطوة، معتبراً أن أوكرانيا تمتلك اليوم الجيش الأكثر حداثة وتجهيزاً في أوروبا.

وتكشف تجربة أوكرانيا حجم التحول العسكري الجاري. فهناك يُنتج نحو 200 ألف مسيرة شهرياً، مع هدف يتجاوز 7 ملايين مسيرة بحلول عام 2026. وقد ظهرت 500 شركة صغيرة ومتوسطة لدعم هذا القطاع، بعضها يعمل في ورش صغيرة، مع اعتماد كبير على مكونات صينية.