“مريم العذراء” في جينات الجغرافيا اللبنانية

لماذا تكاد لا تخلو بلدة لبنانية تقريباً، مهما صغر حجمها أو تواضع عدد سكانها، من كنيسة أو مزار يحمل اسم السيدة العذراء؟ السؤال بسيط في ظاهره، لكنه يفتح على أحد أعمق أشكال العلاقة بين الإنسان والسيدة العذراء: علاقة لم تبقَ حبيسة النصوص الدينية أو الطقوس الكنسية، بل تسرّبت إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى البيت والحقل والمرض والانتظار والنجاة والزلازل.

تروي الذاكرة الروحية المرتبطة بأرض الكنعانيين، ولا سيما نواحي صور وصيدا، ما يُتداول عن مرافقة مريم العذراء ليسوع في تلك الديار، وعن انتظارها إياه على تلة المنطرة في مغدوشة. وهذا التقليد، وإن لم يكن كله موثقاً تاريخياً بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا أنه شكّل نواة لعلاقة حميمة نسجها اللبنانيون مع “أمّهم” مريم، علاقة تجاوزت الزمن الإنجيلي لتستقر في وجدان القرى وذاكرة العائلات.

من هنا تحوّلت مريم، في الوعي الشعبي، من شخصية تُقرأ في الإنجيل إلى أمّ تُستحضر في التفاصيل. وكل اسم “سيدة” يحمله مزار أو كنيسة هو أثر قصة عاشها ناس حقيقيون، بعضها محفوظ في السجلات، وأكثرها عاش في الحكايات المتناقلة بين الأجيال.

هذه الأسماء ترسم خريطة موازية لخريطة لبنان الجغرافية: خريطة روحية كتبها الناس بلغتهم الخاصة، لا بلغة اللاهوت. وفهم هذه الظاهرة لا يكتمل بوصفها تديّناً فحسب، بل بوصفها شاهداً اجتماعياً وأنثروبولوجياً على علاقة الإنسان بالأرض وبالأم وبالذاكرة الجماعية التي تتوارثها البلدات جيلاً بعد جيل.

يضم لبنان ثروة روحية وتاريخية غنية تتمثل في عشرات المزارات والكنائس المكرّسة للسيدة العذراء مريم عبر أراضيه؛ ومن أبرزها مزار سيدة لبنان في حريصا، ودير سيدة النورية في حامات، ودير سيدة البلمند في الكورة، إلى جانب دير سيدة حماطورا الأرثوذكسي المحفور في صخور وادي قاديشا، وسيدة إيليج وسيدة ميفوق وسيدة ترتج في قضاء جبيل، وسيدة الحبس في العاقورة، وسيدة الريح في انفة، كنيسة مريم التي تحل العقد في البترون، وصولا إلى
 سيدة الحصن في إهدن.

أما في الجنوب، فيكتسب مزار سيدة المنطرة في مغدوشة مكانة استثنائية لارتباط مغارته بانتظار العذراء للسيد المسيح، وتكتمل المعالم المريمية في جنوب لبنان بكنيسة سيدة جزين (المعبور) وسط صخور البلدة، وسيدة البحار في صور، بينما تُشرف سيدة البقاع (سيدة زحلة) ببرجها المرتفع على السهل والمدينة. ومن الكنائس ايضا، سيدة بشوات في دير الأحمر، وسيدة التل في دير القمر، وكنيسة سيدة بزمار في كسروان، ناهيك عن الكنائس الرعوية البارزة في المناطق اللبنانية الأخرى، مثل سيدة المعونات، وسيدة الغابة، وسيدة النجاة، وسيدة البشارة، وسيدة الوردية، وسيدة الكبرى وسيدة النجاة.

وفي هذا السياق، يقدّم الأب أنطوان بشعلاني، في حديث لـ”لبنان24″، قراءة شاملة لأبعاد هذا الحضور المريمي وتجلياته في الجغرافيا والذاكرة الشعبية اللبنانية، إذ يرى أن كثافة المزارات والكنائس المكرّسة للعذراء هي تعبير عن علاقة عائلية وروحية عميقة. وتتحكم بهذا الانتشار عوامل عدة، أبرزها الإيمان بمريم كأمّ حاضرة وقريبة يرفع إليها المؤمن شكواه في الخوف والمرض والحاجة، والسعي لحماية البلدة والبيوت والحقول من خلال إقامة المزارات، إضافة إلى طلب الشفاعة الأمومية في محطات الحروب والأوبئة والمجاعات والهجرة. كما تحوّلت هذه الكنائس إلى نقاط تجمّع واحتفال تعزّز النسيج الاجتماعي للقرى في الأعياد، ما يجعل هذا الانتشار تراثاً حياً ومتجدداً يستمد استمراريته من حاجة الإنسان الدائمة إلى الحماية والأمومة.

وفي ما يتعلق بالتسميات الفريدة، شدّد الأب بشعلاني على ضرورة التمييز بين التاريخ الموثق والذاكرة الشعبية. فبينما تمتلك بعض المزارات أصولاً تاريخية مدوّنة، نشأت تسميات أخرى من قصص وأحداث واختبارات محلية تناقلتها الأجيال. فتسمية “سيدة الغسّالة” مثلاً تربط المقدّس بالعمل اليومي للمرأة، وتصوّر العذراء أماً ترافق النساء في شؤونهن المنزلية، بينما تستحضر “سيدة البزّاز” عالم الأمومة والرضاعة، وتُقصد لطلب الحماية للأطفال والأمهات ورجاء الإنجاب. أما “سيدة النجاة” فترتبط بذاكرة الخلاص من مخاطر الحروب أو الحوادث والأمراض. وفي المقابل، تتجاوز “سيدة حريصا” البعد المحلي لتكون مركزاً وطنياً يجمع الحجّاج من لبنان والعالم، ما يؤكد أن الشعب لم يضع العذراء في إطار متعالٍ بعيد، بل أطلق عليها أسماء مستمدّة من تجاربه اليومية.

وتعكس هذه التسميات، بحسب بشعلاني، القدرة الكبيرة للإيمان الشعبي على تجسيد المقدّس داخل تفاصيل الحياة اليومية. فالمرأة اللبنانية، في مواجهة تعب المنزل وتنشئة الأبناء وقلق السفر والفقر، كانت ترى في مريم أماً تشاركها الهموم ذاتها. ويتجلى هذا التجسيد في ربط التسميات بالرضاعة والعمل المنزلي والشفاء والزراعة والخصب؛ فالصلاة الشعبية البسيطة مثل “يا مريم، إنتِ أمّي، اهتمي بولادي” تختصر لاهوتاً شعبياً كاملاً يؤكد أن القداسة لا تنفصل عن الواقع، بل تدخل البيت والحقل والمرض والفرح.

ويرى الأب بشعلاني أن هذه القصص الموروثة تُسهم في تشكيل الذاكرة المشتركة للقرى اللبنانية وصياغة هويتها. فالكنيسة في الوعي المحلي ليست مجرد مبنى حجري، بل هي الجماعة البشرية الحية، وأرشيف يتوارثه الأبناء عن الأجداد يحفظ قصص العائلات ومراحل الأزمات والأوبئة وأخبار الهجرة والنذور والأعاجيب. ولذا، فإن اندثار قصة مزار ما لا يعني فقدان حدث ديني فحسب، بل ضياع صفحة كاملة من تاريخ البلدة وهويتها الجماعية. فتلك الكنائس والمزارات تشكّل خريطة روحية وذاكرة حية تجعل مريم حاضرة في السماء، وفي البيت، وفي لحظات الحياة كافة.

في كل “سيدة” حكاية خوف أو نجاة، نذر أو انتظار، أمّ أو طفل، بيت أو قرية احتمت بها. ولعلّ سرّ هذا الحضور الكثيف يكمن في أن اللبنانيين لم يكتفوا بأن يؤمنوا بمريم من بعيد؛ بل جعلوها جزءاً من جغرافيتهم وذاكرتهم ولغتهم اليومية. لذلك، كلما تبدّلت الأزمنة وتغيّرت ملامح القرى، بقيت “السيدة” في مكانها… شاهدة على أن بعض الجغرافيا ترسم بما يتركه الناس من إيمان وحكايات في ذاكرة الأرض.