اكتسب اللقاء أهميته من اللغة التي استخدمها الطرفان. فالخطيب أكد أن الشيعة لم يحملوا السلاح “رفاهية”، وربط البحث في معالجته بانسحاب إسرائيل وتوفير الضمانات والحماية، داعيًا واشنطن إلى الضغط على تل أبيب للقيام بخطوة تفتح الباب أمام حوار وطني حول استراتيجية الأمن الوطني. أما عيسى فقال إنه يريد الاستماع إلى ممثلي البيئة الشيعية وفهم موقفها، لأنها الأكثر تأثرًا بما يجري في لبنان، ولأن عودة الجنوب إلى أهله لا يمكن فصلها عن معالجة الأزمة مع “حزب الله”.
الأكثر دلالة كان توضيح السفير الأميركي أن حديثه السابق عن الاستعداد للتفاوض مع الحزب فُهم بطريقة خاطئة، وأن المقصود هو استعداد واشنطن للتفاوض ونقل الرسائل “عن طريق الدولة اللبنانية”، باعتبارها الجهة التي تفاوض لمصلحة لبنان، فيما تؤدي الولايات المتحدة دور الوسيط. لا يرقى هذا الكلام إلى إعلان قناة أميركية مباشرة مع الحزب، لكنه يعيد فتح باب السؤال عن إمكان انتقال واشنطن من الاكتفاء بالضغط عليه إلى محاولة التواصل معه بصورة غير مباشرة. فهل تبحث الولايات المتحدة فعلًا عن طريق جديد إلى “حزب الله”، أم إنها تستخدم قناة مختلفة لإيصال الشروط القديمة نفسها؟
رسالة إلى البيئة أم قناة إلى الحزب؟
يمكن إدراج زيارة عيسى ضمن جولته على المرجعيات الدينية اللبنانية، بعدما سبق أن التقى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى. غير أن توقيت زيارة المجلس الشيعي منحها معنى سياسيًا إضافيًا، إذ أتت بعد جولة أجراها الخطيب في إيران والعراق، وفي ظل تصعيد إسرائيلي أصاب النبطية ومحيطها وبدد شعورًا بدأ يتكوّن بإمكان عودة الأهالي تدريجيًا إلى قراهم. كما أن حديث السفير صراحة عن “البيئة الشيعية” أظهر أن الزيارة لم تقتصر على التعارف البروتوكولي.
تحاول واشنطن، وفق كلام عيسى، الفصل بين التواصل مع البيئة الشيعية والتفاوض المباشر مع “حزب الله”. فهي تريد مخاطبة جمهور الحزب والاستماع إلى هواجسه، لكنها تتمسك بأن تمر أي رسائل سياسية عبر المؤسسات اللبنانية. وتحقق هذه الصيغة غرضين في وقت واحد: تجنّب منح الحزب اعترافًا سياسيًا مباشرًا من الإدارة الأميركية، والمحافظة على منفذ يمكن استخدامه عندما تتعطل القنوات الرسمية أو تعجز الضغوط العسكرية عن إنتاج تنازل حاسم.
مع ذلك، لا تكفي هذه الصيغة وحدها لتقريب المواقف. فواشنطن لا تزال تنطلق من أن تسليم الحزب سلاحه هو المدخل إلى وقف الاعتداءات والضغط على إسرائيل للانسحاب، بينما يرى الخطيب والحزب أن الانسحاب ووقف الغارات وتوفير الحماية يجب أن تسبق أي نقاش في السلاح. هكذا يلتقي الطرفان عند الإقرار بالدولة قناةً للتفاوض، ثم يفترقان عند تحديد الخطوة الأولى: الولايات المتحدة تريد من الحزب أن يبدأ، والجانب الشيعي يطالب إسرائيل بخطوة تزيل الاحتلال والتهديد قبل مطالبته بالتخلي عن وسائل القوة التي يمتلكها.
الدولة بين نقل الرسائل وصناعة التسوية
يمنح الكلام الأميركي الدولة اللبنانية دورًا مركزيًا، لكنه يضعها أيضًا أمام اختبار بالغ الصعوبة. فالدولة مطالبة بأن تتفاوض باسم لبنان وتنقل الرسائل إلى “حزب الله”، في حين أنها لا تملك حتى الآن وسيلة ضغط مباشرة على إسرائيل. وقد لجأ الرئيس جوزاف عون، بعد التصعيد الأخير، إلى اتصالات مكثفة مع الجانب الأميركي في محاولة لوقف الغارات والتجريف وعمليات النسف، فيما تنتظر بيروت جوابًا بشأن موعد الجولة الثامنة من المفاوضات التي يفترض عقدها في روما.
تكشف هذه المعادلة حدود الدور اللبناني. فالدولة تستطيع أن تعرض على الحزب مسارًا سياسيًا أو حوارًا حول استراتيجية الأمن الوطني، لكنها تحتاج في المقابل إلى إنجاز ملموس تقدمه للبنانيين: وقف الاعتداءات، أو تحرير مزيد من الأسرى، أو وضع جدول واضح للانسحاب من الأراضي المحتلة. أما مطالبتها بتنفيذ التزاماتها من دون حصولها على خطوة إسرائيلية مقابلة، فتعرضها لاتهام داخلي بأنها تحولت من طرف يفاوض باسم لبنان إلى ناقل للشروط الأميركية والإسرائيلية.
إلى جانب المسار الأميركي، تحاول فرنسا الاحتفاظ بهامش مختلف. فالاتصالات الفرنسية مع “حزب الله” لم تنقطع بالكامل، وإن تراجعت إلى حدها الأدنى، بينما تستعد باريس لاستضافة مؤتمر دعم الجيش اللبناني في 17 أيلول. وتراهن باريس على تعزيز المؤسسة العسكرية التي يُطلب منها الانتشار في الجنوب وضبط السلاح وتولي مهمات إضافية مع اقتراب انتهاء مهمة “اليونيفيل”. غير أن دعم الجيش وحده لا يحل المعضلة السياسية، لأن المؤسسة العسكرية لا تستطيع أن تحل محل التفاوض حول الضمانات والانسحاب ومستقبل السلاح من دون توافق لبناني يغطي خطواتها.
لا تعني زيارة عيسى أن واشنطن فتحت مفاوضات مع “حزب الله”، ولا أن الفجوة بينهما أصبحت أصغر. أهميتها أنها تعكس إدراكًا أميركيًا بأن التسوية لا يمكن أن تُفرض من خارج البيئة التي ستتحمل نتائجها، وأن الدولة اللبنانية تبقى الطريق المقبول لنقل الرسائل ومحاولة تنظيم التنازلات. لكن نجاح هذا الطريق يحتاج إلى أكثر من تغيير لغة الخطاب؛ يحتاج إلى كسر الحلقة التي يطالب فيها كل طرف الآخر بأن يبدأ، بينما تواصل إسرائيل استخدام الوقت لتوسيع احتلالها وتغيير الوقائع في الجنوب.
واشنطن تطرق باب المجلس الشيعي.. هل تبحث عن طريق إلى “حزب الله”؟

في الوقت الذي كانت فيه كفررمان تشيّع ضحايا الغارات الإسرائيلية وسط غضب واسع من استمرار الحرب، كان السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى يدخل مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى للقاء نائب رئيسه الشيخ علي الخطيب. جمع المشهدان في يوم واحد طرفي الأزمة اللبنانية: بيئة جنوبية تتحمل القسم الأكبر من القتل والنزوح والدمار، وواشنطن التي يتطلع إليها لبنان لوقف إسرائيل، فيما ينظر إليها قسم من هذه البيئة بوصفها الشريك السياسي والعسكري الأول لتل أبيب.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك