بعد اليونيفيل… هل يتجه الجنوب إلى ترتيبات أمنية خارج المظلة الدولية؟

يقترب الجنوب من استحقاق يتجاوز مسألة بقاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة أو انتهاء مهمتها، فمع اقتراب نهاية العام، تتقدم جملة من الأسئلة، أبرزها: ماذا بعد اليونيفيل؟ ومن سيتولى إدارة المرحلة الأمنية في منطقة لا تزال تعيش على وقع الاحتلال الإسرائيلي والعمليات العسكرية، فيما لم تُحسم بعد الملفات التي يفترض أن تشكل أساس التسوية؟

المشهد الحالي لا يشبه ذلك الذي كان قائماً عندما اتُّخذ قرار إنهاء مهمة القوة الدولية، فخلال الأشهر الماضية، تبدلت المعادلات الميدانية، واتسعت مساحة السيطرة الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، واستمرت الضربات، فيما بقي تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار دون المستوى الذي يسمح بالقول إن الجنوب دخل فعلاً مرحلة مستقرة.
لهذا السبب، يبدو أن إنهاء مهمة اليونيفيل بات مرتبطاً بمدى إمكانية سحب المظلة الدولية قبل اكتمال الترتيبات التي يفترض أن تحل محلها، فمعركة التمديد ليست معركة حول بقاء مؤسسة أممية بحد ذاتها، بل حول شكل المرحلة المقبلة، فاستمرار حضور الأمم المتحدة يعني بقاء مرجعية دولية في الجنوب، فيما إنهاء المهمة من دون صيغة بديلة قد يدفع باتجاه وضع تصبح فيه الترتيبات الأمنية محكومة أكثر بالتفاهمات الثنائية وبرعاية أميركية مباشرة، وهذا ما يفسر الحذر الدولي من إقفال الباب أمام اليونيفيل قبل تأمين البديل، فالأمم المتحدة لا تريد أن تتحول نهاية المهمة إلى خروج كامل من المشهد اللبناني، في وقت تحتاج فيه التفاهمات الأمنية إلى جهة دولية قادرة على المراقبة والمواكبة والمساهمة في تثبيت ما يتم الاتفاق عليه.

وعليه، فإن العقبة لا تكمن في إيجاد جنود بدلاء فحسب، فأي صيغة جديدة تحتاج إلى تفويض دولي واضح، وقواعد عمل وحماية قانونية، فضلاً عن دول مستعدة لإرسال قوات إلى منطقة سبق أن تحولت فيها مواقع القوات الدولية إلى جزء من مسرح المواجهة،ولذلك، فإن فكرة استبدال اليونيفيل بقوة أخرى تبدو أسهل على الورق منها في الواقع.
في المقابل، تشير واشنطن، وفق مصادر أميركية، أن نجاح أي ترتيبات جديدة يحتاج إلى شبكة دعم أوسع من الرعاية السياسية وحدها، فالانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة تثبيت الاستقرار يتطلب آليات تنفيذ ومراقبة، كما يتطلب دعماً للجيش وقدرة على سد الثغرات التي قد تنتج عن أي انسحاب أو إعادة انتشار، بحيث يكون الجيش صاحب المسؤولية الأمنية الأساسية، وتكون الدولة صاحبة القرار الحصري في استخدام القوة.
لكن هذا المسار، الذي يرفع سقف المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة، يضعها أمام اختبار بالغ الصعوبة ما دامت إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية وتواصل عملياتها العسكرية، من هنا، تقول مصادر وزارية إن لبنان، في هذا السياق، لا يتعامل مع التمديد باعتباره خياراً دائماً، بل كوسيلة لتجنب انتقال مفاجئ إلى واقع أمني مجهول، فانسحاب القوة الدولية من دون بديل واضح قد يفتح ثغرة يصعب ضبطها، خصوصاً أن الجيش يُدفع في الوقت نفسه إلى تحمّل مسؤوليات أوسع في الجنوب، فيما لا تزال الظروف الميدانية والسياسية المحيطة بهذه المسؤولية غير مكتملة، فإذا كان المطلوب من الجيش أن يمسك بالأرض، فإن استكمال هذا الدور يحتاج إلى بيئة مستقرة، وإلى وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، وإلا تحولت الدولة إلى الطرف المطالب بضبط الجنوب من دون امتلاك السيطرة الكاملة على الظروف التي تتحرك فيها قواتها.
لكن الثابت حتى الساعة، وفق الإعلام الإسرائيلي، أن تل أبيب ترفض كل ما يُطرح في شأن التمديد لليونيفيل، وتريد أن تكون أي ترتيبات أمنية جديدة جزءاً من التفاهمات التي يجري العمل عليها مع لبنان وبرعاية أميركية، لا نتيجة قرار دولي منفصل. وهذا الموقف، إذا ترسخ، يعني عملياً نقل مركز الثقل من الإطار الأممي إلى إطار أميركي ـ إسرائيلي، بما يضع لبنان أمام معادلة جديدة قد يجد نفسه فيها أمام ترتيبات أمنية قد تفرض خارج المظلة الدولية التقليدية.