لا تكمن دلالة هذا التتابع في كثرة الطعون. فالطعن أمام المجلس الدستوري حق أساسي وآلية من آليات الرقابة على القوانين، ولا يعني تقديمه أن القانون مخالف للدستور. فالرقابة نفسها قد تنتهي إلى تثبيت النص، كما حصل في أكثر من حالة هذا الشهر، أو إلى إبطال جزء منه، فيما يبقى وقف مفعول بعض القوانين إجراءً مؤقتًا وروتينيًا لا يحسم مصير القانون، بانتظار صدور القرار النهائي بشأنها.
غير أنّ ما يستحق القراءة هو ما تكشفه النتائج المختلفة عن الحدود التي يتحرك داخلها مجلس النواب عند صناعة القانون. فالبرلمان يملك مساحة واسعة في اختيار القاعدة وتعديلها وصياغتها، لكن هذه المساحة تقابلها حدود تتصل بعمومية التشريع والمساواة والفصل بين السلطات وأصول إقرار النص. ومن الجامعة إلى التقاعد، تظهر قرارات أيلول عمليًا أين تنتهي حرية الخيار التشريعي ويبدأ الاختبار الدستوري.
حين تتحول التسوية إلى قاعدة
يقدم قانون الجامعة اللبنانية المثال الأوضح. فقد حدد القانون الرقم 45 ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ومدد في الوقت نفسه ولاية الرئيس القائم ستة أشهر مع حفظ حقه في الترشح مجددًا، وربط المرحلة الانتقالية بتعيين العمداء بالأصالة. هنا، لم يبطل المجلس الدستوري القانون بالمطلق وبكامل بنوده، ولكنّه فصل بوضوح بين القاعدة العامة والأحكام المرتبطة بالمرحلة الحالية.
فقد أبقى المجلس قاعدة السنوات الخمس وإمكان التجديد، معتبرًا أن تحديد الولاية يدخل في السلطة التقديرية للمشرع وينطبق على من يتولى المنصب حاضرًا ومستقبلًا. في المقابل، أبطل الحكم المتعلق بتمديد ولاية الرئيس الحالي وحقه في الترشح، بعدما اعتبر أن النص لا يجد مجالًا للتطبيق عند صدوره إلا على شخص واحد، بما يمس عمومية القاعدة والمساواة بين المرشحين. كما أسقط الربط بتعيين العمداء انطلاقًا من حدود الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
بهذا المعنى، يبدو الفارق الذي يرسمه القرار مهمًا، فالبرلمان يستطيع إعادة تنظيم المنصب وتغيير مدة الولاية أو السماح بتجديدها، لكن المسألة تتغير عندما تضيق القاعدة إلى حد معالجة وضع شخص بعينه، أو عندما يصبح التشريع مرتبطًا بإجراء يقع ضمن صلاحية سلطة أخرى. عندها لا يعود النقاش محصورًا في ملاءمة التسوية السياسية، وإنما ينتقل إلى دستورية الصيغة التي أعطيت لها.
من يملك تعديل القانون؟
جاء قرارا التقاعد ليظهرا الوجه الآخر لهذه الحدود. ففي أحد الطعنين، استند الاعتراض إلى أن الهيئة العامة لمجلس النواب وسعت دائرة المستفيدين مقارنة بالصيغة التي درستها اللجان المشتركة. غير أن المجلس الدستوري رأى أن اختلاف النص الذي أقرته الهيئة العامة عن النص الخارج من اللجان لا يشكل، بحد ذاته، سببًا للإبطال ما لم يقترن بمخالفة دستورية محددة، فأبقى القانون ورد المراجعة.
هنا تبدو المقارنة مع الجامعة واضحة. ففي الحالتين عدّل البرلمان قواعد قانونية، لكن النتيجة لم تكن واحدة. في الواقع، أسقط المجلس في الجامعة أحكامًا اصطدمت، وفق قراره، بالعمومية والمساواة والفصل بين السلطات، فيما لم ير في تعديل الهيئة العامة لدائرة المستفيدين من التقاعد تجاوزًا دستوريًا في ذاته. الأمر نفسه ظهر في قانون الضمان، إذ خضع النص للطعن وانتهت الرقابة إلى رد المراجعة، ما يؤكد أن وجود الاعتراض يفتح باب الاختبار ولا يحدد نتيجته سلفًا.
يبقى قانون العفو في وضع مختلف. فقد أوقف المجلس مفعول القانون الرقم 70/2026 في 10 أيلول إلى حين البت بالطعن، من دون أن يكون وقف التنفيذ حكمًا نهائيًا على دستوريته. لذلك يصعب وضعه حتى الآن إلى جانب القوانين التي ثبتت أو الأحكام التي أبطلت، فالقرار الذي سيصدر في الأساس هو الذي سيحدد موقعه ضمن هذه السلسلة من الاجتهادات، بعيدًا عن التكهنات، وكذلك عن “تسييس” عمل المجلس وأداء قضاته.
تكشف هذه الحالات أن الرقابة الدستورية لا تضيق مساحة البرلمان لمجرد ممارستها، ولا تجعل الطعن علامة على خلل في التشريع. قيمتها تظهر في رسم الحدود بعد اختبار كل نص على حدة: قاعدة عامة يمكن للمشرع تغييرها، استثناء قد يتحول إلى معالجة فردية، تعديل تستطيع الهيئة العامة إدخاله، أو صلاحية لا يستطيع قانون أن ينتقل إليها. ويبقى السؤال الأهم بعد كل قرار هو ما إذا كانت هذه الحدود ستظل تُكتشف بعد صدور القوانين، أم ستدخل تدريجيًا في عملية إعدادها وصياغتها قبل أن تصل مرة أخرى إلى المجلس الدستوري.
من الجامعة إلى التقاعد والعفو.. أين يرسم “الدستوري” حدود التشريع؟

شهد أيلول سلسلة قرارات للمجلس الدستوري طالت قوانين مختلفة في مضمونها ونتائجها. ففي قانون الجامعة اللبنانية، أبطل المجلس بعض الأحكام وأبقى أخرى. وفي قانون يتعلق بديون الضمان الاجتماعي، ردّ الطعن وأبقى النص نافذًا، فيما أوقف مفعول قانون العفو العام ريثما يبت بالمراجعة المقدمة بشأنه. ثم أضيف في 22 أيلول رد طعنين يتعلقان بإخضاع فئات من المتعاقدين لشرعة التقاعد.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك