من “إيركوتسك” إلى “سفيردلوفسك”.. لماذا يثير تاريخ روسيا البيولوجي الأسئلة؟

أعادت وفاة باحثة شابة في معهد روسي متخصص بأبحاث الطاعون في سيبيريا فتح ملف قديم يتجاوز الحادثة الحالية، ويتعلق بتاريخ الأبحاث البيولوجية في روسيا والبرنامج السوفياتي السري للأسلحة البيولوجية، ولا سيما بعد حادثة تفشي الجمرة الخبيثة في سفيردلوفسك عام 1979.


وبحسب تقرير نشره موقع “Outlook India”، توفيت داريا شيبيلوفا، البالغة 28 عاماً، بعد إصابتها بالتهاب رئوي مجهول المصدر، بعدما كانت تعمل في معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا.

وأثارت تقارير غير مؤكدة احتمال إصابتها بالطاعون الرئوي نتيجة تعرضها له في المختبر، لكن السلطات الروسية لم تثبت هذه الرواية. وقالت هيئة حماية المستهلك الروسية “Rospotrebnadzor” إن الفحوص الموسعة لم تكشف عن وجود كائنات دقيقة مرتبطة بعمل الباحثة، كما قالت إن لجنة متخصصة لم تجد دليلاً على وقوع حادث يتعلق بكائنات ممرضة داخل المعهد.

إرث سوفياتي معقد

ويشير التقرير إلى أن أهمية الحادث لا ترتبط فقط بما حدث للباحثة، بل أيضاً بالمكان الذي وقع فيه.

فالاتحاد السوفياتي أنشأ على مدى عقود منظومة واسعة للأبحاث البيولوجية، شملت مؤسسات عسكرية ومدنية، إلى جانب برنامج سري للأسلحة البيولوجية. وبحلول سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية تقدر أن البرنامج يضم عشرات منشآت البحث والتطوير والإنتاج.

وكانت منظمة “Biopreparat” المدنية ظاهرياً من أبرز مكونات هذه المنظومة، إلى جانب مؤسسات تابعة لوزارات الدفاع والزراعة والصحة، فضلاً عن مواقع مخصصة للاختبارات.

لكن التقرير يشدد على أن وجود تاريخ للبرنامج السوفياتي للأسلحة البيولوجية لا يعني أن كل مؤسسة كانت تعمل في مجال مكافحة الأمراض جزءاً منه.

فمعاهد مكافحة الطاعون، ومنها معهد إيركوتسك، كانت مرتبطة أساساً بمراقبة الأمراض المعدية والسيطرة عليها وحماية الصحة العامة، فيما لم تكن مرتبطة مباشرة بوزارة الدفاع أو بالمنشآت الرئيسية التابعة لـ”Biopreparat”، وفق دراسة أعدها مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار النووي عام 1999.

سفيردلوفسك.. الحادثة التي لم تختفِ من الذاكرة

إلا أن الفصل بين الأبحاث المدنية والعسكرية لم يكن دائماً واضحاً تماماً، إذ انتقل علماء ومسؤولون بين مؤسسات مكافحة الأمراض وغيرها من البرامج البيولوجية السوفياتية، ما جعل تاريخ المنظومة أكثر تعقيداً.

وتبقى حادثة سفيردلوفسك عام 1979 إحدى أبرز المحطات التي غذت الشكوك حول البرنامج السوفياتي.

ففي ذلك العام، وقع تفشٍ للجمرة الخبيثة في المدينة، التي تُعرف اليوم باسم يكاترينبورغ، وارتبطت الحادثة بمنشأة بيولوجية عسكرية غامضة. وقدمت السلطات السوفياتية في البداية تفسيراً يتعلق بتلوث غذائي، قبل أن تكشف التحقيقات اللاحقة عن معلومات أثارت تساؤلات بشأن طبيعة النشاط الذي كان يجري داخل المنشأة.

وبحسب التقرير، فإن هذا التاريخ يفسر جزئياً سبب جذب وفاة باحثة في معهد لمكافحة الطاعون اهتماماً دولياً، حتى في غياب دليل يربط الحادث الحالي ببرنامج أسلحة بيولوجية.

ماذا تفعل روسيا اليوم؟

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، ورثت روسيا جزءاً كبيراً من البنية التحتية السوفياتية للأبحاث البيولوجية والدفاع البيولوجي.

وتشمل هذه المنظومة مؤسسات متخصصة في مراقبة الأمراض المعدية ودراسة مسبباتها وتطوير وسائل للوقاية منها، وهي أنشطة تختلف من حيث الهدف عن تطوير الأسلحة البيولوجية.

لكن الولايات المتحدة واصلت خلال السنوات الأخيرة توجيه اتهامات إلى روسيا بشأن امتلاكها برنامجاً هجومياً للأسلحة البيولوجية. وفي تقرير صادر عام 2025، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن روسيا تحتفظ ببرنامج للحرب البيولوجية الهجومية وتخالف التزاماتها بموجب اتفاقية الأسلحة البيولوجية.

مع ذلك، لا يقدم الحادث في إيركوتسك دليلاً بحد ذاته على أن المعهد يعمل في مجال تطوير الأسلحة البيولوجية، كما لا يوجد دليل علني يربط وفاة شيبيلوفا ببرنامج عسكري روسي.

وتبقى ظروف إصابتها ووفاتها غير محسومة، فيما تقول السلطات الروسية إن الفحوص لم تثبت وجود عدوى مرتبطة بعملها داخل المعهد.