“حزب الله” أمام ازدواجية المواقف… هل يبقى خارج الدولة وداخل التسوية؟

قد يكون السؤال الأصعب الذي يسأله كل لبناني توّاق إلى العيش بسلام في هذه المرحلة ليس إذا كان “حزب الله” سيشارك في التسوية المقبلة، بل كيف سيشارك فيها، وهل يستطيع أن يبقى قوة سياسية داخل الدولة ويتخلى عن سلاحه، الذي لم يستطع أن يحمي بيئته قبل أن يحمي لبنان وفق  المنطق، الذي أدخل لبنان في أتون حروب مدمّرة.

هذا السؤال لم يعد افتراضياً. فلبنان الرسمي يتحرك في اتجاه مرحلة جديدة عنوانها تنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي الذي تم التوصل إليه برعاية أميركية، بعدما انتقل من المطالبة بالمبادئ العامة إلى الدعوة لوضع جدول زمني واضح وترجمة الاتفاق إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة، تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل وحصر السلاح بيد الدولة.
في المقابل، لا تزال قيادة “حزب الله” تتمسك بمعادلة مختلفة. فالشيخ نعيم قاسم أكد في 27 أيلول أن الحزب لن يتخلى عن سلاحه قبل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وربط استمرار “المقاومة” بتحرير الأرض وعودة النازحين إلى بلداتهم، وإعادة إعمار ما دمّرته إسرائيل. وهنا تحديداً تظهر العقدة التي يصعب تجاوزها بالبيانات السياسية وحدها.

فالإطار الذي وُضع في واشنطن يقوم على مسار متدرج، أي انتشار الجيش، استعادة الدولة سلطتها الفعلية على الأراضي، التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة، ثم انسحاب إسرائيلي تدريجي. وفي المقابل، تقول بيروت إن التنفيذ يجب أن يكون متبادلاً، وإن الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن أن يبقى مؤجلاً إلى أجل غير محدد.
وبذلك أصبحت المعادلة اللبنانية أمام مستويين متداخلين. فالدولة تريد أن تستعيد قرارها، والحزب يريد أن يضمن ألا يتحول هذا الاستحقاق إلى عملية أحادية الجانب تنتهي بتجريده من عناصر القوة التي يعتبرها جزءاً من وظيفته السياسية والأمنية.
لكن المشكلة أن الحزب، في الوقت نفسه، موجود داخل النظام السياسي. فهو ممثل في مجلس النواب والحكومة، ويتعامل مع المؤسسات الدستورية، فيما تقول الحكومة إن حصر السلاح بيد الدولة أصبح التزاماً لبنانياً عاماً، وإن مسؤولية تنفيذه تقع على الجيش والقوى الأمنية.
وهنا تبرز مفارقة المرحلة المقبلة، إذ كيف يمكن لقوة سياسية أن تكون جزءاً من الدولة، وأن ترفض في الوقت نفسه أحد أهم الشروط التي تقول الدولة إنها تلتزم بها؟
المسألة لا تتعلق فقط بالسلاح. فالسلاح في الحالة اللبنانية يعني أيضاً القرار الذي يرافقه، أي بمعنى من يقرر الحرب والسلم، ومن يملك حق التفاوض، ومن يحدّد قواعد الاشتباك، ومن يتحمل مسؤولية النتائج السياسية والأمنية لأي مواجهة؟
ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مختلفة عن المراحل السابقة. ففي الماضي كان يمكن إبقاء الخلاف حول سلاح “حزب الله” في إطار سياسي داخلي مفتوح على التأجيل، فيما تتولى الحكومات إدارة التوازنات وتأجيل الملفات الأكثر حساسية. أما اليوم، فإن الإطار الدولي المطروح يجعل مسألة حصرية السلاح جزءاً من عملية أوسع مرتبطة بالحدود والانسحاب وانتشار الجيش وإعادة الإعمار وبسط السيادة كاملة وغير منقوصة.
وهذا يعني أن الحزب قد يجد نفسه أمام سؤال أكبر من تسليم السلاح أو الاحتفاظ به، ويتعلق بموقعه في الدولة اللبنانية التي يجري العمل على إعادة بنائها؟
فإذا بقي سلاحه خارج سلطة الدولة، فستبقى هناك ازدواجية في القرار الأمني، وهو ما تعتبره الحكومة والجهات الدولية الداعمة للإطار عقبة أمام استعادة الدولة سيادتها الكاملة. وإذا انتقل إلى العمل السياسي حصراً، فإن ذلك يعني تحولاً عميقاً في طبيعة دوره، لا يمكن اختصاره بقرار أمني منفصل عن البيئة السياسية التي أنتجته وحافظت عليه.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الإسرائيلي. فالرئاسة اللبنانية نفسها تربط معالجة ملف السلاح بالانسحاب الإسرائيلي وتولي الجيش السيطرة الكاملة وإعادة الإعمار تحت إدارة الدولة. وهذا يعني أن أي مسار لبناني داخلي لن يكون منفصلاً عن مسار الانسحاب وآلية التحقق والضمانات المطلوبة لمنع تكرار الحرب.
من هنا، فإن العقدة ليست في أن طرفاً يريد التسوية وطرفاً آخر يرفضها. فالصورة تبدو معقدّة أكثر مما هو ظاهر، إذ أن التسوية نفسها باتت تفرض على الجميع إعادة تعريف مواقعهم داخل الدولة.
الدولة اللبنانية تريد أن تصبح صاحبة القرار الأمني والعسكري. وإسرائيل تريد ضمانات تمنع عودة التهديد من الجنوب. والولايات المتحدة تريد تنفيذ الإطار وفق آلية قابلة للتحقق. أما “حزب الله”، فيريد ألا يتحول الانتقال إلى الدولة إلى عملية يفقد فيها كل أوراق القوة قبل أن يحصل لبنان على ضمانات فعلية بالانسحاب وإعادة الإعمار.
لذلك قد يكون الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس إذا كان “حزب الله” سيسلّم سلاحه أم لا، بل إذا كان قادرًا على الانتقال من قوة مسلحة لها قرار مستقل إلى قوة سياسية تمارس نفوذها من داخل مؤسسات الدولة؟
وإذا كان هذا التحول ممكناً، فإن لبنان يكون أمام تغيير جوهري في معادلة السلطة. أما إذا بقي السلاح والقرار العسكري خارج الدولة، فإن كل حديث عن استكمال التسوية سيبقى أسير العقدة نفسها.
لا يبدو، بحسب بعض المراقبين السياسيين، أن المرحلة المقبلة تسمح للبنان بمواصلة إدارة هذه الازدواجية بالطريقة القديمة. فالإطار المطروح، والمفاوضات المرتقبة، ودور الجيش، ومستقبل الجنوب، كلها تدفع في اتجاه واحد حيال مركزية القرار اللبناني عندما تصبح التسوية واقعاً، لا مجرد تفاوض.