تتجه الولايات المتحدة نحو مراجعة سياستها تجاه المجلس العسكري الحاكم في ميانمار، بعد سنوات من تجنّب التعامل معه وفرض العقوبات على قادته، في خطوة تثير مخاوف من منح النظام شرعية دولية إضافية، وسط استمرار الحرب الأهلية والانتهاكات بحق المدنيين.
وبحسب تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (Council on Foreign Relations)، أجرى مايكل فانس، مساعد وزير الخارجية لشؤون الاستخبارات والأبحاث، محادثات مباشرة مع كبار قادة الجيش خلال زيارة إلى العاصمة نايبيداو، قيل إن هدفها المعلن كان تأمين الإفراج عن مواطن أميركي، وهو ما تحقق بالفعل. وأفادت “رويترز” بأن فانس لعب دوراً أساسياً في فتح قنوات التواصل مع قادة الجيش، فيما تحدثت مصادر عن لقاءات سرية سابقة بين مسؤولين أميركيين وميانماريين في اليابان.
ويقود النظام مين أونغ هلاينغ، الذي أطاح بالحكومة المنتخبة في انقلاب شباط 2021، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية خلّفت، وفق التحليل، نحو مئة ألف قتيل وحوّلت البلاد إلى دولة تعاني انهياراً فعلياً. ولا يزال هلاينغ خاضعاً لعقوبات أميركية على خلفية جرائم ضد الإنسانية، فيما يثير الانفتاح الأميركي احتمال إعادة النظر في هذه العقوبات.
لكن التحليل يشدد على أن التقارب لا يمحو مسؤولية القيادة العسكرية عن الانتهاكات السابقة، بما فيها المجازر التي استهدفت الروهينغا عامي 2016 و2017، والتي وصفتها الحكومة الأميركية بأنها إبادة جماعية، إضافة إلى القصف الجوي الذي استهدف مناطق مدنية خلال الحرب الحالية.
أزمة إنسانية تتفاقم
يأتي هذا التحول فيما يعاني السكان تداعيات خفض المساعدات الأميركية، إذ ارتفعت معدلات الجوع، وتدهور النظام الصحي، وتعرضت مستشفيات وعيادات للقصف، فيما تفاقمت البطالة وعادت أمراض خطيرة إلى الانتشار، بينها الكوليرا وشلل الأطفال والملاريا المقاومة للأدوية، التي امتدت إلى دول مجاورة.
وبحسب الكاتب، كثّف الجيش هجماته الجوية على المدنيين في ولايتي راخين وتشين خلال تموز وآب، بمعدل بلغ أربعة ضحايا مدنيين يومياً جراء الضربات الجوية. وفي 29 أيلول، قصف الجيش سوقاً، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين.
ويرى التقرير أن حصول النظام على اعتراف أوسع من الولايات المتحدة ودول إقليمية، بينها تايلاند وماليزيا، قد يقلل الضغوط عليه لوقف الانتهاكات. وقد استقبلت ماليزيا، الخميس، مين أونغ هلاينغ في أول زيارة له إليها منذ الانقلاب، بعد زيارة إلى تايلاند في آب.
المعادن النادرة.. مكسب صعب لواشنطن
ويشير التقرير إلى أن أحد الدوافع المحتملة للتواصل الأميركي يتمثل في بحث إمكانية الوصول إلى احتياطيات ميانمار الكبيرة من المعادن النادرة، التي تدخل في صناعات التكنولوجيا المتقدمة والقطاع الدفاعي. وتسعى واشنطن إلى تنويع مصادر هذه المعادن في ظل سيطرة الصين على القسم الأكبر من الإمدادات العالمية، ولا سيما مع الحاجة إلى تعويض مخزونات دفاعية استُنزفت خلال الحرب مع إيران.
لكن الوصول الأميركي إلى هذه الموارد يبدو معقداً، إذ تقع مناطق رئيسية منها قرب الحدود الصينية، في ولايتي كاشين وولاية شان/وا، حيث تتمتع بكين بنفوذ واسع وسط النزاع المسلح. ويشير مركز ستيمسون إلى وجود نحو 600 منجم للمعادن النادرة في ميانمار.
وحتى لو تمكنت الشركات الأميركية من الوصول إلى بعض المواقع، فستواجه بيئة شديدة التعقيد بفعل الحرب الأهلية وانتشار الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة، فضلاً عن مخاطر استهداف موظفيها وصعوبة العمل في ظل مستقبل سياسي غير مستقر.
تقارب قد يعزز نفوذ الأنظمة السلطوية
ويحذر الكاتب من أن التعامل مع المجلس العسكري قد يمنحه شرعية إضافية، ويضعف الجهود الدولية لمواجهة الأنظمة السلطوية، في وقت تتزايد فيه أوجه التعاون بين هذه الأنظمة. ويستشهد بالحرب مع إيران، حيث أفادت تقارير بأن صوراً فضائية صينية متطورة ساعدت طهران في استهداف عسكريين أميركيين في قاعدة بالأردن.
كما يذكّر بأن قوات المعارضة المسلحة في ميانمار حققت تقدماً كبيراً خلال أواخر عام 2023 وعام 2024، وتمكنت من انتزاع مناطق من الجيش وإلحاق خسائر به، فيما واجهت المؤسسة العسكرية انشقاقات وصعوبات في التجنيد، واقتربت قوات معارضة من العاصمة نايبيداو.
إلا أن الدعم الذي قدمته الصين وروسيا وإيران وبيلاروسيا للنظام، بما شمل الطائرات والمسيّرات والوقود والتكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية والتمويل، ساعده على استعادة زمام المبادرة وإضعاف تحالف المعارضة، كما أتاح له مواصلة القصف الواسع للمناطق المدنية.
ويخلص التقرير إلى أن انفتاح واشنطن على المجلس العسكري قد يُفسَّر بأنه دليل على نجاح تعاون الأنظمة السلطوية في حماية بعضها بعضاً، فيما يدفع المدنيون في ميانمار الثمن الأكبر لاستمرار الحرب والقمع.












اترك ردك