وتؤكد الوزارة أن قراراتها تراعي أعداد التلامذة والمسافات والقدرة الاستيعابية للمؤسسات البديلة. غير أن الاختبار يبدأ عند التنفيذ: كم تلميذاً سيضمّ الصف بعد الدمج؟ وهل تتوافر المساحة والتجهيزات والهيئة التعليمية اللازمة لاستقبالهم؟ هذه المعطيات تحدّد ما إذا كان تجميع الموارد سيحسّن التعليم أو يضيف ضغطاً على مدارس تعاني أصلاً من نقص الإمكانات.
وبحسب ما قال مصدر تربوي متابع للملف لـ”لبنان24″،فإنّه يبرز خطر الاكتظاظ إذا تجاوزت الأعداد قدرة المعلّم على المتابعة الفردية. فالتلامذة الذين يحتاجون إلى شرح إضافي وتصحيح مستمر قد يحصلون على وقت أقل، فيما يزداد العبء على الأستاذ بين إنهاء المنهج وإدارة الصف. وعندها، قد تتراجع المشاركة والنقاش لمصلحة الشرح الجماعي، وتتّسع الفجوة بين التلميذ القادر على المتابعة وحده وزميله الذي يحتاج إلى مساعدة. لذلك، فإن رفع عدد التلامذة في الصف لا يكفي وحده لقياس كفاءة الإنفاق.
ويقول: “أما مالياً، فهناك كلفة تقع خارج حسابات تشغيل المدرسة: النقل اليومي وما يستغرقه من وقت. فإذا ترتّب على الدمج انتقال إلى مدرسة أبعد من دون خدمة نقل مناسبة ومدعومة، تتحمّل الأسرة نفقة متكررة طوال العام الدراسي. وقد تقتطع الرحلة الطويلة من وقت النوم والمذاكرة والنشاطات، خصوصاً عندما تفرض على التلميذ مغادرة منزله باكراً والعودة متأخراً”. ولعلّ أبرز مثال على ذلك ما حصل في رشميا، حيث نفّذ الأهالي والفاعليات وقفة احتجاجية رفضاً لدمج ثانوية مارون عبود، فرع رشميا، بثانوية عاليه. ووُقّعت عريضة لرفعها إلى وزيرة التربية، ركّزت على البعد الجغرافي وصعوبة الانتقال شتاءً والأعباء على العائلات. واقترح المعترضون نقل الفرع الفرنسي من ثانوية عاليه إلى رشميا لتعزيز أعداد التلامذة فيها. وسبق التحرّك إعلان الرهبانية اللبنانية المارونية إعفاء وزارة التربية من بدل الإيجار السنوي، في محاولة لإبقاء الثانوية مفتوحة. من هنا، يقول المصدر التربوي إن العرض يخفّض أحد بنود الإنفاق، لكنه لا يحسم وحده ملف الدمج، الذي تربطه الوزارة أيضاً بأعداد التلامذة وتوزيع الأساتذة وكلفة التشغيل.
وفي حصارات، اتخذ الملف مساراً مختلفاً. فقد أعلنت الوزارة الإبقاء على الصفين الأول والثاني الثانوي في مبنى المتوسطة، ونقل طلاب الثالث الثانوي بفروعه إلى ثانوية جبيل، لعدم استيفاء أعدادهم شروط فتح الصفوف. وقالت إن الكلفة السابقة تجاوزت ثمانية آلاف دولار سنوياً للتلميذ، باحتساب كلفة المبنى ونفقات الأساتذة والموظفين، وأعلنت السعي إلى تأمين نقل مدعوم لطلاب الثالث الثانوي.
وسط كل هذه الاعتراضات، تقول مصادر في وزارة التربية لـ”لبنان24″ إن مشروع الوزيرة ريما كرامي يشمل تجميد العمل في بعض المؤسسات ومشاركة الأبنية وإعادة توزيع الموارد.
وتضيف المصادر: “هناك مدارس تضمّ صفوفاً صغيرة جداً، وأحياناً أساتذة أكثر من التلامذة، مع كلفة مرتفعة للطالب. فالمعايير تشمل أيضاً المسافة ووسائل الوصول وقدرة المدرسة البديلة على الاستقبال والظروف الجغرافية والاجتماعية ولغة التعليم”.
في المحصلة، لا يُحسم ملف الدمج بحسابات الوزارة وحدها. فالوفر الذي تسعى إليه، حتى حين تتجاوز كلفة التلميذ ثمانية آلاف دولار سنوياً كما في حصارات، يقابله اعتراض أهلي على أعباء لا تدخل في موازنتها: نقل يومي، وطرق يصعب سلوكها شتاءً، وساعات أطول خارج المنزل. ويعكس غضب الأهالي في رشميا، من الوقفة الاحتجاجية إلى العريضة المرفوعة إلى وزيرة التربية، شعوراً بأن القرار اتُّخذ قبل أن تتضح كلفته على الأسر، وبأن ما يُوفَّر على الدولة يُحمَّل في جزء منه للعائلات. وما دام النقل المدعوم وأعداد التلامذة في الصفوف المستقبِلة بلا التزام معلن، سيبقى الاعتراض قائماً على آلية التنفيذ قبل مبدأ الدمج نفسه.











اترك ردك