إيران ترسم المعادلة: مواجهة مع واشنطن وتهدئة مع الرياض

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الحشود العسكرية الأميركية المتزايدة في المنطقة، والمناورات الصاروخية التي يجريها الحرس الثوري الإيراني، يبدو أن طهران تعمل على مسار موازٍ لا يقل أهمية عن استعداداتها العسكرية، عنوانه الأساسي منع انتقال المواجهة مع الولايات المتحدة إلى صراع شامل مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

فإيران، التي تتعامل مع احتمال تجدد الحرب باعتباره خيارًا جديًا، تدرك أن توسيع دائرة المواجهة لتشمل الدول الخليجية سيضاعف الأثمان السياسية والاستراتيجية التي قد تدفعها، حتى لو كانت قادرة عسكريًا على إلحاق أضرار كبيرة بمصالح هذه الدول. ولذلك، تحاول الفصل بين استعداداتها لمواجهة واشنطن وبين علاقاتها الدبلوماسية مع الرياض، بما يسمح لها بالحفاظ على مساحة من الاستقرار الإقليمي وسط التصعيد المتواصل.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم العرض الإيراني للوساطة بين السعودية واليمن، والذي لا يبدو منفصلًا عن الحسابات الكبرى لطهران. فإيران تدرك أن استمرار الحرب اليمنية السعودية قد يؤدي، عاجلًا أم آجلًا، إلى انعكاسات سلبية على علاقاتها مع المملكة، خصوصًا إذا اتسعت العمليات العسكرية وارتفعت الخسائر الاقتصادية، أو وجدت الرياض نفسها مضطرة إلى الانخراط بصورة أوسع في المواجهة الإقليمية.

وعليه، فإن طهران لا تسعى بالضرورة إلى إنهاء كل الصراعات في المنطقة، بقدر ما تحاول ضبط حدودها ومنع تداخلها بصورة تضعها أمام مواجهة مفتوحة مع أكثر من طرف في الوقت نفسه. وهي تدرك أن خسارتها السياسية الكبرى لن تكون محصورة في نتائج أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، بل قد تتمثل أيضًا في انهيار مسار التقارب مع السعودية، والعودة إلى مرحلة الاستقطاب الحاد التي طبعت العلاقات بين البلدين لسنوات طويلة.

حتى اللحظة، لا يزال الفصل بين المسارين ممكنًا. فاستمرار المواجهة بين السعودية واليمن لا يعني تلقائيًا انهيار العلاقات السعودية الإيرانية، كما أن التصعيد الأميركي ضد طهران لا يفرض بالضرورة دخول دول الخليج في الحرب. لكن هذا التوازن يبقى هشًا، وقد يصبح من الصعب الحفاظ عليه إذا اتسعت العمليات العسكرية وبدأت الجبهات المختلفة تؤثر بعضها في بعض.

في المقابل، تتزايد التقديرات التي ترجح عودة التصعيد العسكري في المنطقة، وربما على أكثر من جبهة، رغم وجود حسابات سياسية وعسكرية واقتصادية تستبعد اندلاع حرب واسعة في المرحلة الحالية. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن عدم رغبة الأطراف في الحرب الشاملة لا يمنع حصول مواجهات محدودة، قد تتطور بفعل سوء التقدير أو محاولة أحد الأطراف تعديل موازين القوى.

وهنا تحديدًا يمكن فهم احتمال حصول تصعيد عسكري متزامن على جبهات متعددة، لكن ضمن سقوف محسوبة. فقد تجد بعض القوى أن تنفيذ عمليات محدودة يمنحها أوراق ضغط إضافية، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار بالذهاب إلى حرب مفتوحة.

المشكلة أن هذه الحسابات لا تكون دائمًا قابلة للضبط، خصوصًا عندما تتداخل المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية والخليجية واليمنية في مساحة جغرافية واحدة.

لذلك، تبدو إيران اليوم أمام معادلة دقيقة: الاستعداد لمواجهة عسكرية كبيرة مع الولايات المتحدة، والعمل في الوقت نفسه على تحييد السعودية ودول الخليج عن هذه المواجهة. وهي معادلة قد تنجح دبلوماسيًا لبعض الوقت، لكن استمرار نجاحها سيبقى مرتبطًا بمسار الحرب اليمنية وبمدى قدرة جميع الأطراف على منع التصعيد المحدود من التحول إلى انفجار إقليمي واسع.