وبحسب مستشار السياسة الخارجية في الكرملين يوري أوشاكوف، فإن المفاوضات المرتقبة ستتناول بناء إطار أمني لروسيا وأوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب، فيما برزت أبوظبي بوصفها موقعاً محتملاً لاستضافة الجولة الجديدة. لكن هذا التطور، على أهميته الدبلوماسية، لا يعني أن موسكو وكييف باتتا أقرب بالضرورة إلى اتفاق، خصوصاً أن الملفات التي عطّلت الجولات السابقة لا تزال تشكل العقبة الرئيسية أمام أي تسوية.
ما الذي تغيّر منذ تعثّر المفاوضات في شباط؟
أما الجديد في التحرك الحالي، فيتمثل في تجدد الاتصالات على مستوى المبعوث الأميركي، بالتوازي مع لقاءات مع مسؤولين روس وأوكرانيين وأوروبيين، في محاولة لإعادة بناء أرضية مشتركة تسمح باستئناف الحوار. كذلك، يبدو أن التركيز يتجه نحو بحث الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب، إلى جانب مصير الأراضي المحتلة وإمكان التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان انعقاد جولة جديدة، بل بقدرتها على الانتقال من تبادل المواقف إلى مناقشة تنازلات متبادلة وآليات واضحة لتنفيذ أي اتفاق محتمل.
الأراضي والضمانات الأمنية… العقدة الأصعب
يبقى ملف الأراضي في صلب الخلاف بين موسكو وكييف. فروسيا تتمسك بمطالبها المتعلقة بالمناطق التي تسيطر عليها قواتها، فيما تؤكد أوكرانيا تمسكها بسيادتها ووحدة أراضيها، وترفض أن تتحول نتائج العمليات العسكرية إلى أساس لتسوية تكرّس تغيير الحدود بالقوة.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة تجميد القتال عند خطوط المواجهة الحالية باعتبارها أحد الخيارات المطروحة للنقاش. وقد قال زيلينسكي إن تجميد الحرب يشكل الحد الأدنى المطلوب من روسيا لإنهاء القتال، في موقف يعكس اهتمام كييف بوقف العمليات العسكرية، من دون أن يعني ذلك حسم الخلاف بشأن الوضع النهائي للأراضي المحتلة.
لكن تجميد خطوط المواجهة، حتى لو تحقق، لن يحل تلقائياً مسألة السيادة على الأراضي، كما لن يضمن وحده عدم تجدد الحرب. إذ يتطلب أي اتفاق تحديد طبيعة الترتيبات الميدانية، وآليات مراقبة الالتزام بها، والجهات التي ستتولى التحقق من تنفيذها.
أما الضمانات الأمنية، فتمثل ملفاً لا يقل تعقيداً. إذ تريد كييف ضمانات موثوقة تحول دون تعرضها لهجوم جديد بعد انتهاء الحرب، فيما تعارض موسكو انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وتتحفظ على وجود قوات غربية على الأراضي الأوكرانية.
وهنا تبرز معضلة أساسية: كيف يمكن توفير ضمانات أمنية كافية لأوكرانيا من دون الوصول إلى صيغة ترفضها روسيا؟ وهل ستكون هذه الضمانات سياسية أم عسكرية، وما مدى إلزاميتها، وكيف ستُنفذ في حال انتهاك الاتفاق؟
هذه الأسئلة ستحدد إلى حد كبير قدرة أي مفاوضات جديدة على تجاوز مرحلة تبادل المقترحات والانتقال إلى تفاهمات قابلة للتطبيق.
هل تستطيع واشنطن تقريب وجهات النظر؟
تحاول إدارة ترامب استثمار اتصالاتها مع موسكو وكييف لإعادة إطلاق المسار التفاوضي، مستفيدة من دور ويتكوف في نقل المقترحات بين الجانبين. لكن الوساطة الأميركية تواجه اختباراً يتمثل في قدرتها على صياغة تسوية لا تقتصر على وقف مؤقت للقتال، بل تعالج أيضاً أسباب الصراع والمخاوف الأمنية التي يتمسك بها كل طرف.
فموسكو لا تزال متمسكة بمطالبها الأساسية، فيما تسعى كييف إلى منع فرض تسوية تنتقص من سيادتها أو تتركها عرضة لمواجهة جديدة. كما أن استمرار العمليات العسكرية والهجمات المتبادلة يضع المفاوضات تحت ضغط ميداني، ويجعل أي تفاهم محتمل مرتبطاً بقدرة الأطراف على التوفيق بين حساباتها العسكرية ومصالحها السياسية.
كذلك، فإن نجاح الوساطة الأميركية لن يُقاس بمجرد جمع الوفود حول طاولة واحدة، بل بمدى قدرتها على دفع الأطراف نحو اتفاق على جدول أعمال واضح، وتحديد الخطوات التي يمكن تنفيذها تدريجياً، بدءاً من وقف إطلاق النار وصولاً إلى الترتيبات السياسية والأمنية الأوسع.
بين استئناف الحوار وفرص السلام
على الرغم من تجدد التحركات الدبلوماسية، لا تزال هناك مسافة واضحة بين الموافقة على استئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. فالإعلان الروسي لا يتضمن موافقة على شروط تسوية محددة، كما أن الحديث عن جولة جديدة لا يعني أن موعدها ومكانها وأجندتها قد حُسمت بصورة نهائية.
وتبقى الاختبارات الأساسية مرتبطة بمدى استعداد الطرفين لمناقشة مصير الأراضي المحتلة، وطبيعة الضمانات الأمنية، ومستقبل علاقة أوكرانيا بحلف “الناتو”، فضلاً عن آليات مراقبة أي وقف لإطلاق النار ومنع تجدد المواجهات.
وفي المقابل، فإن عودة الاتصالات الثلاثية قد توفر فرصة لإعادة تحريك المسار السياسي، خصوصاً إذا نجحت واشنطن في تحويل اللقاءات الثنائية إلى مفاوضات مباشرة تتناول نقاط الخلاف الجوهرية. لكن ذلك يتطلب خطوات ملموسة تتجاوز التصريحات الإيجابية، وتُظهر أن الأطراف مستعدة للبحث في تسويات عملية.
وبين المساعي الأميركية لإحياء المفاوضات وتمسك موسكو وكييف بمواقفهما الأساسية، تدخل الجهود الدبلوماسية مرحلة جديدة من الاختبار. فهل تنجح الجولة المرتقبة في كسر الجمود الذي طبع المحادثات السابقة، أم أن الخلافات بشأن الأراضي والأمن ستعيد المفاوضات إلى نقطة التعثر؟
في المحصلة، قد يشكل استئناف الحوار خطوة مهمة نحو فتح نافذة دبلوماسية جديدة، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن اقتراب السلام. فالمعيار الحقيقي سيكون في قدرة المفاوضات على إنتاج تفاهمات واضحة بشأن وقف القتال، ومستقبل الأراضي المتنازع عليها، والضمانات التي يمكن أن تجعل أي تسوية قابلة للاستمرار.









اترك ردك