ولا يشبه هذا الجدل النقاشات السابقة حول الآلة الحاسبة أو خرائط الملاحة، فتلك الأدوات حلت مكان مهارة محددة كالحساب أو حفظ الطرق، بينما يحل الذكاء الاصطناعي مكان عملية التفكير نفسها مثل صياغة الفكرة وترتيب الحجة والحكم على صحة المعلومة. وهذه المهارات لا تُكتسب إلا بالممارسة، ولا يمكن تعويضها لاحقاً بسهولة.
وتزداد المسألة تعقيداً حين ننظر إلى من يستفيد ومن يدفع الثمن. فأصحاب الخبرة الذين يثقون بقدراتهم يميلون إلى تدقيق ما تنتجه الآلة وتصحيحه، أما المبتدئون فيقبلون النتائج كما هي لأنهم لا يملكون أدوات الحكم عليها. وبذلك يمنح الذكاء الاصطناعي أكبر فائدة لمن يحتاجه أقل، ويحمّل الكلفة الأكبر لجيل يتعلم اليوم. وحتى الخبرة نفسها ليست محصنة، فقد تراجعت قدرة أطباء متمرسين في بولندا على رصد أورام القولون بعد أشهر من الاعتماد على أنظمة المساعدة الذكية.
وفي المحصلة، لن يحدد الذكاء الاصطناعي بنفسه ما إذا كنا سنصبح أذكى أم أقل قدرة على التفكير، بل ستحدده خياراتنا حول المهارات التي نقرر الاستمرار في ممارستها بأنفسنا، وتلك التي نقبل التخلي عنها للآلة من دون أن ننتبه إلى أننا فقدناها.












اترك ردك