تعود قضية التوازن الطائفي في الإدارة العامة اللبنانية إلى الواجهة من بوابة وزارة الزراعة، بعدما أثارت أرقام متداولة عن تعيين 34 أجيراً جديداً تساؤلات بشأن معايير التوظيف وآليات تطبيق القوانين، ولا سيما في ضوء التجربة السابقة التي شهدها ملف حراس الأحراج، حيث انتظر 106 ناجحين سنوات قبل استكمال تعيينهم.
وبحسب الأرقام المتداولة بشأن التعيينات الجديدة، يتوزع الأجراء الـ34 على النحو الآتي: 17 درزياً، و13 مسيحياً، وشيعيان، وسنيان.
هذه الأرقام، التي تستدعي التثبت منها عبر المستندات الرسمية، تطرح تساؤلات مشروعة، ليس لأن الانتماء الطائفي بحد ذاته يثبت وجود مخالفة، بل لأن اللبنانيين اختبروا مراراً كيف يمكن للحسابات الطائفية أن تتحول إلى عائق أمام استكمال التوظيف في الإدارة العامة.
لكن وزير الزراعة نزار هاني يقدّم رواية مختلفة، موضحاً أن الأمر يتعلق بأجراء وعمال، لا بتعيينات في الملاك الوظيفي، وأن الاختيار تم بناءً على الحاجة الفعلية للمشاتل والمنشآت الزراعية التابعة للوزارة، مع مراعاة النطاق الجغرافي الذي تُنفّذ فيه الأعمال.

أولاً: ماذا يقول وزير الزراعة؟
في اتصال مع “لبنان 24″شدّد الوزير نزار هاني على أن التعيينات موضوع النقاش تندرج ضمن فئة الأجراء، موضحاً أن الوزارة طلبت الموافقة على الاستعانة بـ65 أجيراً لتغطية حاجاتها، وأن الموافقة صدرت في المرحلة الأولى لـ34 منهم، فيما لا تزال المعاملة المتعلقة بالدفعة التالية قيد الاستكمال.
وقال هاني إن اختيار الأجراء يرتبط بمكان العمل وطبيعته، موضحاً أن الوزارة قد تستعين بعمال من محيط المشتل الذي يحتاج إلى خدماتهم، أو من المنطقة التي توجد فيها المنشأة الزراعية المعنية.
وأضاف أن هذه الوظائف لا تخضع، بحسب آلية العمل التي تعتمدها الوزارة، لمعايير التوزيع الطائفي المعمول بها في بعض الفئات الوظيفية الأخرى، بل للحاجة الفعلية إلى العمال في المواقع المختلفة.
وفي معرض توضيحه للتوزيع الذي أثار التساؤلات، أشار الوزير إلى أن الجزء الأكبر من الأجراء الذين شملتهم الدفعة الأولى يرتبط بالنقص في منطقة جبل لبنان، معتبراً أن ذلك قد يفسّر عدم ظهور التوزيع الطائفي بالشكل الذي اعتاد اللبنانيون رؤيته في بعض التعيينات العامة.
كما وصف هاني طبيعة هذه الوظائف بأنها أعمال زراعية وخدماتية، تشمل تعبئة الأكياس في المشاتل، والعناية بالنظافة والري، وتنفيذ المهام اليومية الضرورية لاستمرار العمل.
وبذلك، يضع الوزير القضية في إطار سدّ النقص التشغيلي داخل الوزارة، لا في إطار تعيين موظفين إداريين في الملاك أو توزيع حصص وظيفية بين الطوائف.
ثانياً: أجراء أم موظفون؟ هنا يبدأ النقاش القانوني
إن توضيح الوزير بشأن طبيعة الوظائف يشكّل عنصراً أساسياً في فهم القرار، لكنه لا ينهي النقاش حول أصول التوظيف.
فالتوصيف الإداري للوظيفة ليس تفصيلاً شكلياً؛ إذ تختلف الأصول القانونية باختلاف طبيعة العلاقة الوظيفية، وما إذا كانت الوظيفة دائمة في الملاك، أو تعاقدية، أو ضمن فئة الأجراء، فضلاً عن الأنظمة التي تحكم كل فئة والمرجع الصالح للموافقة على التعيين.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على الانتماء الطائفي للأجراء الـ34، بل يجب أن يشمل الأساس القانوني الذي استندت إليه الوزارة، وشروط الاستعانة بهم، وكيفية اختيارهم، ومدى الالتزام بالأصول الإدارية والمالية المرعية الإجراء.
فإذا كانت التعيينات قد تمت وفق الأصول القانونية وبناءً على حاجة فعلية موثقة، فإن نشر القرار وتوضيح معاييره كفيلان بتبديد الشكوك.
أما إذا كانت هناك استثناءات من قواعد واجبة التطبيق، أو تفاوت في المعاملة بين ملفات متشابهة، فإن ذلك يستوجب توضيحاً رسمياً وتدقيقاً من الجهات الرقابية المختصة.
ثالثاً: المادة 12 والمادة 95 من الدستور… ماذا تقولان؟
تنص المادة 12 من الدستور اللبناني على أن لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، من دون ميزة لأحد على الآخر، إلا من حيث الاستحقاق والجدارة وفقاً للشروط التي ينص عليها القانون.
أما المادة 95، بعد تعديلها في إطار اتفاق الطائف، فتؤكد إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة، باستثناء وظائف الفئة الأولى وما يعادلها، مع مراعاة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في هذه الفئة، والتقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة.
وعليه، لا يصح التعامل مع التوازن الطائفي بوصفه قاعدة واحدة تنطبق بالطريقة نفسها على جميع الفئات الوظيفية، كما لا يصح افتراض أن كل تفاوت في التوزيع الطائفي يشكّل مخالفة دستورية.
المعيار هو طبيعة الوظيفة والنظام القانوني الذي يحكمها، ومدى الالتزام بمبادئ المساواة والاستحقاق والكفاءة، فضلاً عن الشروط الإجرائية التي يفرضها القانون.
ومن هنا، فإن الحسم في قانونية التعيينات الـ34 يتطلب الاطلاع على القرار الرسمي، وتحديد الصفة القانونية لكل وظيفة، والتحقق من الإجراءات التي سبقت الموافقة عليها.
رابعاً: حراس الأحراج… لماذا طال الانتظار؟
تكتسب القضية حساسيتها من المقارنة مع ملف حراس الأحراج، الذي أثار جدلاً واسعاً في عام 2017، بعد تعثر استكمال تعيين 106 ناجحين في مباراة مجلس الخدمة المدنية، وسط اعتراضات مرتبطة بالتوازن الطائفي.
وفي ذلك الوقت، طُرحت تساؤلات بشأن مدى جواز تعطيل تعيين الناجحين في وظائف عامة على خلفية التوزيع الطائفي، ولا سيما أن المهمة الأساسية لحراس الأحراج ترتبط بحماية الغابات والثروة الحرجية والوقاية من الحرائق ومكافحة التعديات.
وفي عام 2025، أُعلن عن صدور مرسوم تعيين الحراس الـ106، بعد سنوات من الانتظار.
هذه التجربة تضع الإدارة العامة أمام سؤال جوهري: إذا كانت الحاجة إلى حماية الأحراج قد استدعت معالجة الملف واستكمال التعيينات، فهل كانت أسباب التأخير مبررة قانونياً وإدارياً؟ وهل طُبّقت المعايير نفسها على سائر الفئات الوظيفية؟
المقارنة هنا لا تعني أن الأجراء وحراس الأحراج يخضعون حكماً للقواعد نفسها؛ فذلك يتطلب التحقق من طبيعة كل فئة وأنظمتها. لكنها تبرر المطالبة بتفسير واضح للفوارق بين الإجراءات والقرارات، منعاً لتحول القواعد الإدارية إلى مصدر للالتباس وانعدام الثقة.
خامساً: نقص الموظفين وإعادة هيكلة الوزارة
وزير الزراعة وضع التعيينات ضمن سياق أوسع يتعلق بالنقص في الكوادر البشرية داخل الوزارة، مشيراً إلى أن هذا النقص يشمل مختلف الفئات والمراكز، ويؤثر في قدرة الإدارة على تنفيذ مهامها اليومية.
ولفت إلى أن الوزارة تعمل على تطوير بنيتها الإدارية، وأنها أنجزت خطوات في ملف الترفيعات وتنظيم الدوائر، من بينها ترفيع 24 رئيس مصلحة إقليمية، والعمل على تفعيل مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية ومجلس إدارتها، وتشكيل لجان، بينها لجنة المشروع الأخضر.
كما أشار إلى وجود مشروع لإعادة هيكلة الوزارة في إطار إعادة الهيكلة الشاملة للقطاع العام.
وتبرز أهمية هذه الخطوات في أن وزارة الزراعة لا تؤدي وظيفة إدارية فحسب، بل تضطلع بمسؤوليات مباشرة تتصل بالأمن الغذائي، ودعم المزارعين، وحماية الموارد الطبيعية، وتطوير الإنتاج الزراعي. وأي نقص في كوادرها ينعكس حكماً على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
لكن معالجة هذا النقص تحتاج إلى خطة توظيف واضحة وشفافة، تحدد الحاجات الفعلية لكل مركز، وتبيّن طبيعة الوظائف المطلوبة، وآليات الاختيار، ومصادر التمويل، والضوابط الرقابية المعتمدة.
سادساً: أسئلة لا تزال بحاجة إلى أجوبة
على الرغم من توضيحات الوزير، تبقى مجموعة من النقاط التي يستحسن حسمها من خلال نشر المستندات الرسمية:
– هل تتطابق الأرقام المتداولة بشأن التوزيع الطائفي مع البيانات الرسمية، أم أنها أرقام غير نهائية؟
– ما طبيعة العلاقة التعاقدية للأجراء، وما مدة عملهم، وما الاعتمادات المالية المخصصة لهم؟
– ما المعايير المعتمدة لاختيار الأجراء من المناطق المختلفة، وكيف تُوثّق الحاجة الفعلية لكل مركز؟
– هل توجد ضوابط معلنة تضمن المساواة في إتاحة فرص العمل، بعيداً عن المحسوبية أو التدخلات السياسية؟
– ما المبررات القانونية والإدارية التي حكمت تأخير ملف حراس الأحراج، وما أوجه الاختلاف بينه وبين ملف الأجراء الحالي؟
كما يبرز سؤال حسابي يستحق التوضيح في ما يتعلق بخطة التوظيف: إذا كان العدد المطلوب 65 أجيراً، وصدرت الموافقة على 34، فإن العدد المتبقي حسابياً هو 31 أجيراً. لذلك، فإن أي إشارة إلى استكمال 36 أجيراً إضافياً تحتاج إلى توضيح رسمي، سواء تعلق الأمر بتعديل العدد المطلوب أو بضم وظائف أخرى إلى الخطة.
يوضح وزير الزراعة نزار هاني أن الوزارة تعتبر تعيين الأجراء الـ34 إجراءً تشغيلياً يهدف إلى سدّ النقص في المشاتل والمنشآت الزراعية، وتؤكد أن الاختيار استند إلى الحاجة العملية والجغرافية، لا إلى التوزيع الطائفي.
وهذا التوضيح ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تقييم القرار، من دون أن يحول دون ممارسة الرقابة أو طلب المستندات اللازمة للتحقق من سلامة الإجراءات.
فالمسألة ليست في أن ينتمي 17 أجيراً إلى طائفة، و13 إلى طائفة أخرى، أو أن تكون حصة هذه الطائفة أكبر من تلك؛ إذ لا يكفي التوزيع الطائفي وحده لإثبات وجود مخالفة.
المسألة الحقيقية هي أن تكون قواعد التوظيف واضحة، وأن تُطبّق على الجميع وفق طبيعة الوظيفة وأحكام القانون، وأن تتوافر الشفافية التي تمنع الشكوك من التحول إلى اتهامات متبادلة.
فإذا كانت تعيينات وزارة الزراعة قانونية ومستندة إلى حاجة فعلية، فإن نشر القرار وتفسير معاييره يعززان الثقة بالإدارة. وإذا ظهرت مخالفات، فإن معالجتها يجب أن تتم عبر المؤسسات الرقابية والقانونية، بعيداً عن التحريض الطائفي أو استهداف العاملين.
الدولة لا تُبنى بتبديل حصص المحاصصة، بل بإنهاء منطقها، ولا تُحمى المساواة باتهامات غير مثبتة، بل بقانون واضح يُطبَّق على الجميع.











اترك ردك