تواصل شركة DeepSeek الصينية توسيع نطاق أبحاثها في مجال الذكاء الاصطناعي، مع الكشف عن نموذج تجريبي جديد يحمل اسم Super-Agent، يستهدف إحداث تغيير في طريقة استخدام هذه التقنيات داخل فرق تطوير البرمجيات، عبر الانتقال من المساعدات التي تنتظر تعليمات المستخدم إلى وكلاء قادرين على متابعة سير العمل والتدخل عند ظهور مشكلات تستدعي المعالجة.
ويقدم النظام الجديد تصوراً أكثر استقلالية لأدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إذ يمكنه متابعة النقاشات بين المطورين، ورصد المشكلات التي يطرحونها، ثم اقتراح حلول أو الشروع في تنفيذ تعديلات برمجية، وفق الصلاحيات والضوابط التي يحددها الفريق مسبقاً.
وأوضحت الشركة، في إعلان نشرته عبر منصة وي تشات، أن فريق DeepSeek Harness يعمل على تطوير هذا المشروع بهدف جعل وكلاء الذكاء الاصطناعي جزءاً من بيئة العمل اليومية للمبرمجين، بحيث يتمكنون من المشاركة في معالجة المهام والمشكلات دون انتظار توجيه مباشر في كل مرحلة.
كما نشرت DeepSeek الشفرة المصدرية للمشروع تحت اسم dsh-superagent عبر منصة GitHub، باستخدام ترخيص MIT مفتوح المصدر، بما يتيح للمطورين دراسة بنيته وتعديلها والاستفادة منها في تطبيقات ومشروعات أخرى.
لكن الشركة أوضحت أن النسخة الحالية لا تزال في إطار البحث والتجربة، ولا تمثل منتجاً تجارياً مكتملاً، محذرة من احتمال وجود أخطاء ومشكلات تقنية، فضلاً عن أن بعض الخصائص الواردة في التصور البحثي لم تدخل بعد مرحلة التنفيذ الفعلي.
وكيل برمجي يتابع المحادثات ويتدخل عند الحاجة
تتمثل أبرز الخصائص التي يقدمها Super-Agent في إمكانية دمجه مع مستودعات الأكواد على GitHub ومنصة Feishu، المعروفة عالمياً باسم Lark، وهي أداة تستخدمها فرق العمل للتواصل وإدارة المشروعات.
ومن خلال هذا الربط، يستطيع النظام الاطلاع على المناقشات المرتبطة بالمشروعات البرمجية، والتعرف على الطلبات والمشكلات التي تظهر أثناء العمل، بدلاً من اقتصار دوره على تنفيذ أوامر منفصلة يكتبها المطور بنفسه.
فعندما يناقش أعضاء الفريق خللاً في إحدى وظائف التطبيق، يمكن للوكيل تحليل سياق المحادثة وتحديد طبيعة المشكلة، ثم التحقق من إمكانية التدخل استناداً إلى التعليمات والصلاحيات المحددة له.
وفي حال السماح بذلك، يبدأ النظام في إنشاء مهمة مستقلة، ويفحص الملفات ذات الصلة، ويحاول الوصول إلى حل من خلال تعديل الشفرة البرمجية، قبل إعادة النتائج إلى مساحة النقاش التي ظهرت فيها المشكلة.
وقد ينتهي عمله بإعداد طلب دمج التعديلات (Pull Request)، وهو إجراء يتيح للمطورين مراجعة التغييرات المقترحة واختبارها قبل الموافقة على إضافتها إلى النسخة الأساسية من المشروع.
ولا يعمل الوكيل بصورة عشوائية أو يتدخل في جميع المحادثات، إذ يعتمد تشغيله على قواعد مسبقة تحدد الحالات التي يمكنه التعامل معها ونطاق الصلاحيات الممنوحة له، بما يحد من التعديلات غير المطلوبة.
بنية تقنية تقسم المهام بين وحدات متخصصة
يعتمد Super-Agent على إطار DeepSeek Harness، الذي يوفر البيئة والأدوات اللازمة لربط نموذج الذكاء الاصطناعي بالملفات البرمجية ووسائل التطوير والخدمات الخارجية.
وتكمن أهمية هذه البنية في أنها لا تكتفي بقدرات النموذج على فهم النصوص وكتابة الأكواد، بل تمنحه الوسائل التي تمكنه من تنفيذ إجراءات عملية وإدارة مهام تتطلب عدة مراحل متتابعة.
ويقوم التصميم على مستويين رئيسيين، الأول يحمل اسم Router، وتتمثل مهمته في استقبال الرسائل والأحداث من منصات العمل، وتحليلها لمعرفة ما إذا كانت تتطلب تدخلاً من الوكيل، ثم التأكد من توافقها مع القواعد والصلاحيات قبل تحويلها إلى مهام تنفيذية.
أما المستوى الثاني، فيضم وحدات مستقلة تسمى Workers، تتولى تنفيذ المهام التي تصل إليها، بحيث تعمل كل وحدة ضمن جلسة منفصلة تحتفظ بالمعلومات والسياق المرتبطين بالمهمة المكلفة بها.
ويسمح هذا التقسيم بتوزيع العمل على أكثر من وحدة في الوقت نفسه، ما يتيح التعامل مع مشكلات برمجية متعددة بالتوازي، بدلاً من انتظار انتهاء مهمة واحدة قبل الانتقال إلى أخرى.
كما يوفر هذا الأسلوب مرونة أكبر في إدارة المهام ومتابعة التطورات التي تطرأ عليها، إذ يمكن توجيه الملاحظات والتحديثات إلى الوحدات المعنية دون تحميل جلسة رئيسية واحدة جميع العمليات والتفاصيل.
صلاحيات واسعة تفرض تحديات أمنية
على الرغم من الإمكانات التي يقدمها النموذج، فإن قدرته على الوصول إلى الملفات وتشغيل الأوامر البرمجية تضع مسألة الأمان في مقدمة التحديات المرتبطة باستخدامه.
وتشير وثائق المشروع إلى أن وحدات التنفيذ يمكن أن تحصل على صلاحيات واسعة داخل بيئة التشغيل، بما يسمح لها بالتعامل مع الملفات وتنفيذ الأوامر وفق مستوى الوصول الممنوح لحساب نظام التشغيل الذي تعمل من خلاله.
وهذا يعني أن توسيع استقلالية الوكيل يحتاج إلى ضوابط دقيقة، خصوصاً عند استخدامه في مشروعات تحتوي على بيانات حساسة أو أكواد أساسية لا تحتمل إجراء تعديلات غير مدروسة.
وفي هذا الإطار، توصي DeepSeek بتخصيص حساب مستقل لتشغيل النظام، مع تجنب منحه إمكانية الوصول إلى البيانات والموارد التي لا يحتاج إليها لإنجاز المهام المطلوبة.
وتبرز هذه التوصيات أهمية تحقيق التوازن بين منح وكلاء الذكاء الاصطناعي مساحة كافية لتنفيذ العمل بصورة مستقلة، والحفاظ في الوقت نفسه على قدرة المطورين على مراقبة التغييرات والتحكم فيها.
DeepSeek توسع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي
يأتي الكشف عن Super-Agent بالتزامن مع تحركات الشركة الصينية لتعزيز مواردها المالية وتوسيع نشاطها البحثي والتقني في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أفادت وكالة بلومبرغ بأن DeepSeek جمعت تمويلاً بقيمة 100 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 15 مليار دولار، في جولة تمويلية وصفت بأنها من أبرز العمليات التمويلية في قطاع التكنولوجيا الصيني.
وتعكس هذه التحركات توجه الشركة إلى تعزيز قدراتها في تطوير النماذج والأدوات الجديدة، في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على تقديم أنظمة ذكاء اصطناعي لا تقتصر على الإجابة عن الأسئلة، بل تستطيع تنفيذ المهام وإدارة العمليات بصورة أكثر استقلالية.
ومن خلال Super-Agent، تختبر DeepSeek نموذجاً جديداً لدور الذكاء الاصطناعي داخل فرق البرمجة، حيث يصبح النظام قادراً على متابعة سير العمل والمساهمة في معالجة المشكلات، مع إبقاء التنفيذ مرتبطاً بالصلاحيات والضوابط التي يضعها المستخدمون.











اترك ردك