وتحدد هذه الانتخابات طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس الأميركي ، إذ يتوجه الأميركيون لانتخاب أعضاء مجلس النواب الـ435، إلى جانب 35 عضوًا في مجلس الشيوخ، فضلًا عن حكام عدد من الولايات. وتشكل هذه الانتخابات اختبارًا لأداء إدارة ترامب، كما ترسم موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأميركية.
فالحزب الذي يسيطر على المجلسين يمتلك قدرة أكبر على تمرير مشاريعه وإقرار الموازنات، فيما قد يمنح انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين صلاحيات أوسع لممارسة الرقابة على الإدارة، وفتح التحقيقات وجلسات الاستماع، والتأثير في التعيينات والقوانين التي تسعى إلى إقرارها.
ولا تقتصر تداعيات النتائج على الداخل الأميركي، إذ يؤدي الكونغرس دورًا أساسيًا في إقرار المساعدات الخارجية والموازنات الدفاعية ومناقشة العقوبات والاتفاقيات الدولية. وبالتالي، قد تنعكس التوازنات الجديدة على ملفات الشرق الأوسط، والعلاقات مع الحلفاء، والتعامل مع إيران، والمساعدات العسكرية والإنسانية، فضلًا عن السياسات التجارية والاقتصادية.
وعلى المستوى العالمي، قد يؤثر أي تغيير في تركيبة الكونغرس على قدرة إدارة ترامب على تنفيذ أولوياتها، أو يدفعها إلى تعديل بعض توجهاتها. كما أن الخلاف بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن الإنفاق والموازنات والدين العام قد يترك تداعيات على الأسواق المالية والاقتصاد العالمي، في وقت تترقب فيه الدول مسار السياسة الأميركية تجاه النزاعات والتوترات الدولية.
وفي هذا المشهد، تبرز الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة بسبب حجمها وانتشارها في ولايات ومدن ذات حضور سياسي وانتخابي. ووفق بيانات مسح المجتمع الأميركي للفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024، الصادر عن مكتب الإحصاء الأميركي، يبلغ عدد الأشخاص الذين أفادوا بأن لديهم أصولًا لبنانية نحو 596,629 شخصًا، أي ما يقارب 600 ألف أميركي.
ويشمل هذا الرقم الأشخاص الذين أبلغوا عن أصول لبنانية، سواء كانت أصولهم لبنانية فقط أو إلى جانب أصول أخرى، ولا يعني أنهم جميعًا يحملون الجنسية الأميركية أو يتمتعون بحق التصويت. كما لا يعكس وحده حجم المشاركة الانتخابية الفعلية.
وتتصدر ميشيغان (Michigan) قائمة الولايات من حيث عدد الأميركيين من أصول لبنانية بنحو 74,647 شخصًا، تليها كاليفورنيا (California) بنحو 70,357، وفلوريدا (Florida) بنحو 53,016، ثم تكساس (Texas) بنحو 43,108، ونيويورك (New York) بنحو 38,757. كما تضم ماساتشوستس (Massachusetts) نحو 30,910 أشخاص، وأوهايو (Ohio) نحو 29,866، وبنسلفانيا (Pennsylvania) نحو 23,057، وفرجينيا (Virginia) نحو 18,501، وكارولاينا الشمالية (North Carolina) نحو 15,076.
وتكتسب ميشيغان أهمية خاصة، ليس فقط لكونها تضم أكبر عدد من الأميركيين من أصول لبنانية، بل أيضًا بسبب المنافسة الانتخابية فيها. وتبرز مدينة ديربورن (Dearborn)، قرب ديترويت (Detroit)، بوصفها إحدى أبرز مراكز الوجود اللبناني في الولايات المتحدة. وتشير تقديرات مسح المجتمع الأميركي للفترة 2020-2024 إلى وجود نحو 20,937 شخصًا من أصول لبنانية في ديربورن، إضافة إلى 13,222 في ديربورن هايتس (Dearborn Heights) المجاورة.
ويتميز هذا الامتداد بحضور لبناني وعربي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من خلال المؤسسات التجارية والإعلامية والمراكز المجتمعية. ولا يقتصر الانتشار على ميشيغان، إذ تضم نيويورك تجمعات لبنانية بارزة، إلى جانب مناطق في كاليفورنيا وفلوريدا وماساتشوستس. ويعود هذا الحضور إلى موجات هجرة لبنانية متعاقبة بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتوسعت بفعل الظروف الاقتصادية والسياسية التي شهدها لبنان.
أما انتخابيًا، فتبرز أهمية الجالية من خلال انتشارها في ولايات ودوائر قد تشهد منافسات متقاربة، حيث يمكن لأصوات التجمعات السكانية أن تشكل جزءًا من الفارق في النتائج. وتُعد ميشيغان مثالًا على ذلك، فيما يتركز جزء مهم من الجالية اللبنانية والعربية في ديربورن (Dearborn) وديربورن هايتس (Dearborn Heights) وديترويت (Detroit).
لكن تحديد الوزن الانتخابي للبنانيين الأميركيين لا يمكن أن يستند إلى عدد السكان وحده، إذ لا تتوافر إحصاءات رسمية تفصل عدد الناخبين المسجلين من أصول لبنانية أو تحدد توجهاتهم الحزبية. كما لا يمكن اعتبار نحو 600 ألف شخص كتلة انتخابية موحدة، في ظل اختلاف الخيارات بحسب الأجيال والانتماءات السياسية والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي المقابل، يمكن الاستعانة بالاستطلاعات المتعلقة بالعرب الأميركيين عمومًا لفهم بعض الاتجاهات المحيطة بالجالية اللبنانية، من دون تعميم نتائجها عليها. فقد أظهر استطلاع نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في 22 تشرين الأول 2026، أن 58% من الناخبين العرب الأميركيين المسجلين يفضلون المرشحين الديمقراطيين للكونغرس، مقابل 34% للجمهوريين.
كما أظهر استطلاع أجراه المعهد العربي الأميركي بين 16 و23 تشرين الأول، وشمل 500 ناخب عربي أميركي مرجح، أن 59% يعتزمون التصويت للمرشح الديمقراطي في دوائرهم، مقابل 26% للمرشح الجمهوري، فيما عرّف 31% أنفسهم بأنهم مستقلون. وأشار الاستطلاع إلى أن 82% من المشاركين واجهوا صعوبات اقتصادية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة. إلا أن هذه النتائج تشمل العرب الأميركيين عمومًا، ولا تقدم قراءة مستقلة لتوجهات اللبنانيين.
وتتداخل في خيارات الناخبين من أصول لبنانية عوامل عدة، أبرزها الاقتصاد والهجرة والضرائب والرعاية الصحية، إلى جانب السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما ما يتعلق بلبنان والشرق الأوسط. فبالنسبة إلى شريحة من أبناء الجالية، ترتبط التطورات في المنطقة بحياتهم اليومية، في ظل وجود عائلات وأقارب لهم في لبنان ومتابعتهم للأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية فيه.
وقد ظهر هذا الارتباط في ديربورن (Dearborn) خلال السنوات الأخيرة، حيث انعكست الحرب في غزة والتطورات العسكرية في لبنان على النقاشات والتحركات داخل المجتمع المحلي. كما أثرت المواقف الأميركية من الصراعات في المنطقة على نظرة بعض أبناء الجالية إلى الإدارة والمرشحين.
وفي هذا الإطار، قد تؤثر تركيبة الكونغرس الجديدة في النقاشات المتعلقة بالمساعدات العسكرية لإسرائيل ، والدعم المقدم للبنان، والعقوبات، والسياسة تجاه إيران، والرقابة على قرارات الإدارة الأميركية. فرغم اتساع صلاحيات الرئيس في السياسة الخارجية، يحتفظ الكونغرس بأدوات مؤثرة تشمل التمويل والتشريع والرقابة والمصادقة على عدد من التعيينات والاتفاقيات.
وبين حجم الجالية اللبنانية وانتشارها الجغرافي، تبقى قدرتها على التأثير الانتخابي مرتبطة بعدد الناخبين الفعليين ومستوى مشاركتهم وتمركزهم في الدوائر المتنافسة. وفيما لا تكفي الأرقام السكانية وحدها لتحديد وزنهم في صناديق الاقتراع، تشكل الانتخابات النصفية مناسبة لمراقبة حضور اللبنانيين الأميركيين في الحياة السياسية، ومدى انعكاس قضايا لبنان والشرق الأوسط على خياراتهم، في استحقاق قد تمتد تداعياته إلى ملفات دولية تتجاوز حدود الولايات المتحدة.












اترك ردك