هوكشتين يطل بعد غياب: استمرار الاحتلال لا يضعف حزب الله بل يُعزّز حجته

كتب وفيق قانصوه في” الاخبار”: تخلّت السلطة اللبنانية تباعاً عن أوراق قوتها، من القرار 1701 ومسار إسلام آباد الذي تضمّن وقف الحرب في لبنان بنداً أساسياً في الاتفاق الأميركي – الإيراني، إلى اتفاق تشرين الثاني 2024 لوقف إطلاق النار، من دون أن تنتزع في أي مرة ضمانات جديّة بالانسحاب الإسرائيلي… وصولاً إلى الارتماء في حضن اتفاق الإطار، والرهان على أن تقديم التنازلات للأميركيين والإسرائيليين، سيقود إلى استعادة السيادة.

هذا ما تؤكده شهادة عاموس هوكشتين، أحد أبرز مهندسي اتفاق 2024، حين يكشف أن اتفاق وقف إطلاق النار تضمّن خطة متدرجة لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بعدما انسحبت إسرائيل من معظم المناطق التي احتلتها وأبقت على خمسة مواقع، بالتوازي مع معالجة سلاح حزب الله. لكن هذه الخطة لم تستكمل، وحلّت محلها مقاربة، لا يراها واقعية ولا قابلة للتنفيذ، تفترض أن وجود حكومة لبنانية راغبة في تعزيز الدولة يكفي لكي تنزع سلاح الحزب.

الخطة التي يتحدث عنها هوكشتين كانت تقوم على ترتيب مختلف تماماً للأولويات: استكمال التفاوض على الحدود البرية، ثم انسحاب إسرائيلي تدريجي من المواقع المحتلة، يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها تباعاً، بالتنسيق مع المؤسسة العسكرية الأميركية. وبالتوازي، يجري إبعاد الوجود العسكري لحزب الله عن الجنوب، وتوسيع انتشار الدولة، وإطلاق إعادة إعمار المناطق المتضررة، قبل الانتقال إلى معالجة أوسع للسلاح وترتيبات عدم الاعتداء. أما السلطة اللبنانية، فقد اختارت أن تبدأ من النهاية. قبلت جعل نزع السلاح عنواناً للعملية كلّها، من دون أن تنتزع في المقابل التزاماً إسرائيلياً واضحاً بالانسحاب الكامل، أو ضمانات بوقف الاعتداءات، أو جدولاً زمنياً لإعادة الإعمار.

والمفارقة أن هوكشتين، الذي لا يخفي موقفه العدائي من حزب الله، يبدو في تشخيصه للمأزق اللبناني أكثر إدراكاً لتعقيداته من السلطة اللبنانية نفسها. فهو لا يرى ضرورة لانتظار معاهدة سلام شاملة، بل يدعو إلى التوصل إلى تفاهم حدودي يسمح بإطلاق عملية انسحاب إسرائيلي تدريجية ومنظمة. ومع تحميله حزب الله مسؤولية إدخال لبنان في مواجهة مرتبطة بإيران، يرفض تحويل ذلك إلى ذريعة لتجاهل الوقائع. فالحزب، بحسب تقديره، بات أضعف من أن يواجه إسرائيل، لكنه لا يزال يمتلك من القوة ما يكفي لمواجهة الداخل اللبناني. ومن هنا، فإن افتراض قدرة الجيش اللبناني على نزع سلاحه بمفرده ليس سوى «خيال».
هذا التوصيف يضع السلطة اللبنانية أمام سؤال لا تريد مواجهته: كيف يمكن مطالبة الجيش بمهمة بهذا الحجم فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي، وتبقى الدولة عاجزة عن فرض الانسحاب وإطلاق إعادة الإعمار؟ والأكثر إحراجاً أن هوكشتين نفسه يشرح أن استمرار الاحتلال لا يضعف حزب الله، بل يُعزّز حجته. فبقاء القوات الإسرائيلية في أراضٍ لبنانية يتيح للحزب التمسك بالقول إن تل أبيب لا تسعى فقط إلى نزع السلاح، بل إلى السيطرة على الأرض والبقاء فيها.

في مقابلته مع صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية أول من أمس، يُقرُّ هوكشتين بأن المقاربة الأميركية الحالية أخفقت، ولا يخفي خيبة أمله من المسار الذي سلكه الملف اللبناني. فهو يرى أن وجود رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة يريدان تعزيز سلطة الدولة كان ينبغي أن يتيح إحراز تقدم، لكنه يرفض تحميل الحكومة اللبنانية وحدها مسؤولية الإخفاق، واضعاً المشكلة في النهج الأميركي الذي تعامل مع الملف على نحو غير واقعي.

أما السلطة، وبدلاً من استثمار هذا المسار، والبناء عليه لانتزاع الانسحاب الإسرائيلي، فقد وضعت نفسها في موقع المُتلقِّي للشروط الأميركية، وانتقلت إلى اتفاق الإطار وكأن عليها تنفيذ المطلوب منها أولاً، على أن تتولى واشنطن لاحقاً «إقناع» إسرائيل بالانسحاب من دون أي ضمانات جديّة. والأخطر أن السلطة، وهي تفعل ذلك، لا تطرح السؤال الذي يفترض أن يكون في صلب أي تفاوض: ماذا لو لم يكن نزع السلاح، مهما بلغت التنازلات اللبنانية، كافياً لإنهاء الاحتلال؟ وماذا لو كانت المشكلة أبعد من سلاح حزب الله، وتتصل بمشروع إسرائيلي لتغيير الوقائع الجغرافية والأمنية في المنطقة؟ هوكشتين نفسه يقدّم الإجابة عن هذا السؤال. فهو يشير إلى عقيدة إسرائيلية جديدة تقوم على السيطرة على أراضٍ خارج الحدود، ويضع لبنان وسوريا وغزة في سياق هذا التوجه. والأخطر أنه لا يعتقد أن هذا السلوك سيتغير بفعل السياسة الداخلية الإسرائيلية وحدها، بل يحتاج إلى ضغط خارجي. أي إن المسألة لا تتعلق بما يفعله لبنان، بل بما تريده إسرائيل، وبمدى استعداد الولايات المتحدة للضغط عليها لوقف التوسع والانسحاب من الأراضي التي تحتلها.

مع ذلك، تحصر السلطة المشكلة في كيفية إقناع حزب الله بتسليم سلاحه، وكأن إسرائيل ستنسحب تلقائياً بمجرد إنجاز هذه المهمة. وهي مقاربة تتعامى عن التحذير الأكثر وضوحاً في كلام هوكشتين: استمرار الاحتلال لا يعرقل نزع السلاح فحسب، بل يمدّ الحزب بالمبررات السياسية والشعبية للاحتفاظ به. فحين تبقى إسرائيل في الأراضي اللبنانية، وتواصل اعتداءاتها، وتمنع عودة الحياة إلى المناطق المحتلة والمتضررة، يصبح من الصعب إقناع اللبنانيين بأن المطلوب منهم التخلي عن كل أوراقهم قبل أن تحصل دولتهم على أبسط حقوقها.