ومؤخراً، عاد هذا الملف إلى الواجهة مع قضية عاملة أجنبية أثارتها جمعية “كفى”، بعدما لجأت إليها طلباً للمساعدة، قبل أن تُحال إلى الأمن العام بسبب عدم حيازتها أوراق إقامة، في تطور أعاد تسليط الضوء على واقع الحماية القانونية المتاحة لهذه الفئة.
فما الذي تكشفه هذه القضية عن واقع العاملات الأجنبيات في لبنان؟ وما الضمانات القانونية التي تحميهن من العنف والاستغلال؟
من طلب المساعدة إلى الإحالة على الأمن العام
توضح موهانا إسحق، رئيسة الشؤون القانونية والمناصرة في قسم مناهضة الاتجار بالبشر في منظمة “كفى”، في حديث لـ”لبنان 24″، أن العاملة “د.غ.” من الجنسية البنينية تواصلت مع الجمعية عبر خطها الساخن قبل أكثر من أسبوعين، طالبة المساعدة، بعدما انتقلت إلى صاحب عمل جديد منذ نحو سنة وشهر، من دون أن يتولى الأخير تنظيم إقامتها أو تسليمها أوراقها الثبوتية وجواز سفرها.
وبحسب إفادة العاملة للجمعية، لم تتقاضَ أجورها منذ عدة أشهر، ووصلت مستحقاتها إلى 900 دولار. كما كانت تعمل في منزل صاحب العمل ومنزل أهل زوجته، إضافة إلى صالون للتجميل، من الصباح حتى المساء، من دون أجر إضافي أو تقاضي كامل راتبها الأساسي. وأفادت أيضاً بتعرضها للتعنيف اللفظي والجسدي، بما في ذلك الصفع وشد الشعر لإجبارها على العمل.
وعلى أثر ذلك، تقدّمت “كفى” بإخبار إلى النيابة العامة، واستُدعي كل من العاملة وصاحبة العمل إلى التحقيق في المخفر. وتقول إسحق إن صاحبة العمل أقرت بعدم دفع جزء من الأجور، كما أقرت بأنها أحضرت العاملة عبر مكتب من دون تنظيم تنازل عن كفالتها، ولم تنكر تشغيلها في صالون التجميل. لكنها نفت تعنيف العاملة، فيما أبلغ المخفر الجمعية أن الأخيرة نفت تعرضها للتعنيف خلال التحقيق.
لكن مسار التحقيق انتهى بإحالة العاملة إلى الأمن العام بسبب عدم حيازتها أوراق إقامة، في حين تُركت صاحبة العمل حرة، رغم إقرارها بعدم دفع جزء من المستحقات وتشغيل العاملة من دون استكمال إجراءات نقل الكفالة، بحسب ما نقلته إسحق عن مجريات التحقيق. وتضيف أن الجمعية أُبلغت بالقرار خلال التحقيق الذي جرى بعد نحو 30 إلى 40 دقيقة من بدئه.
وتعتبر إسحق أن ما حصل يطرح علامات استفهام حول التعامل مع العاملة، التي لجأت إلى الجمعية طلباً للحماية من ظروف العمل التي أبلغت عنها، لتجد نفسها محالة إلى الأمن العام بسبب وضع إقامتها، بدلاً من التعامل معها بوصفها ضحية محتملة للاستغلال. وتشير إلى أن الوقائع التي عرضتها تتضمن مؤشرات محتملة على الاتجار بالبشر، من بينها احتجاز الأوراق الثبوتية، وعدم تنظيم الإقامة، وعدم دفع الأجور، وتشغيلها في أكثر من مكان.
وتضيف أن “د.غ.” بقيت في النظارة، فيما تأخر نقلها إلى الأمن العام نحو 15 يوماً بسبب الاكتظاظ، مؤكدة أن الجمعية تواصل الضغط من أجل الإفراج عنها أو نقلها إلى مركز إيواء إلى حين استكمال الإجراءات.
التعميم القضائي وعدم توقيف العاملات
ولا تنفصل هذه القضية عن إشكالية التعامل مع العاملات اللواتي لا يحملن إقامة قانونية، إذ تستند إسحق إلى تعميم أصدرته النيابة العامة التمييزية في كانون الأول 2025، موجهاً إلى النيابات العامة الاستئنافية، ويتعلق بالتعامل مع العاملات المنزليات في هذه الحالات.
وتشير إلى أن التعميم تناول المادة 36 من قانون دخول الأجانب إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه، وحدد أعذاراً مقبولة لعدم تجديد إقامة العاملة، من بينها احتجاز صاحب العمل أوراقها الثبوتية، أو التحكم بتنقلاتها، أو الامتناع عن توقيع المستندات اللازمة لتجديد الإقامة.
وبحسب إسحق، يطلب التعميم تنظيم محضر مستقل بشأن الإقامة، منفصل عن الشكوى الأساسية، وعدم توقيف العاملة إذا ثبت وجود عذر مقبول لعدم تجديد إقامتها، والاستعاضة عن ذلك بإحالتها إلى مركز إيواء، مع متابعة وضعها القانوني بصورة مستقلة مع الأمن العام.
ومن هنا، تعتبر أن قرار إحالة “د.غ.” إلى الأمن العام لم يراعِ، وفق تقييم الجمعية، الإجراءات الحمائية المعتمدة، ولا سيما أن الوقائع التي أبلغت بها العاملة تتضمن مؤشرات تستدعي التعامل معها كضحية محتملة للاتجار بالبشر، بدلاً من تحميلها تبعات مخالفات قد تكون مرتبطة باستغلالها.
نظام الكفالة وغياب آليات الحماية
ولا تقتصر المشكلة على الحالات الفردية، بل ترتبط، وفق إسحق، بواقع الحقوق القانونية للعاملات الأجنبيات في لبنان. فالعاملات المنزليات مستثنيات من قانون العمل، ولا يخضعن لأحكامه وحمايته، بل لنظام الكفالة القائم على إجراءات وقرارات تصدر عن الأمن العام ووزارة العمل، وتمنح الكفيل سلطة واسعة على عمل العاملة ومسارها.
وتلفت إلى أن عقد العمل يُكتب باللغة العربية، فيما قد لا تعرف العاملة مضمون الحقوق الواردة فيه. وينص العقد على ثلاثة أسباب تتيح لها فسخه: التعرض للتعنيف، أو تشغيلها في عمل غير المحدد فيه، أو عدم دفع أجورها لمدة ثلاثة أشهر متواصلة.
لكن المشكلة، بحسب إسحق، تكمن في غياب الآليات التي تسمح للعاملة بفسخ العقد فعلياً. فهي تجد نفسها أمام خيار البقاء في منزل صاحب العمل وتحمل ظروف العمل المسيئة، أو المغادرة، بما قد يعرّض إقامتها للمخالفة، خصوصاً إذا كانت أوراقها محتجزة لدى الكفيل.
وتحذّر إسحق من أن مغادرة المنزل قد تعرّض العاملة أيضاً للاستغلال خارج مكان العمل، بما في ذلك الاستغلال الجنسي وغيره من أشكال الانتهاكات. وفي حال تمكنت من الوصول إلى جمعية حقوقية، تتقدم “كفى” بإخبارات بشأن التعنيف أو الجرائم المبلغ عنها، وتعمل على إحالتها إلى مركز الإيواء للتحقق من الوقائع ومتابعة الملف، وقد ينتهي الأمر بالادعاء على صاحب العمل إذا توافرت الأدلة.
وتقول إسحق إن الجمعية صُدمت بالقرار الأخير، معتبرة أنه لا ينسجم مع مسار الحماية الذي اعتمدته النيابة العامة خلال السنوات الماضية.
اقتراح قانون لتنظيم العمل المنزلي
وعلى المستوى التشريعي، تشير إسحق إلى وجود محاولات جدية خلال السنوات الأخيرة من جانب وزارة العمل والأمن العام والقضاء لتطوير آليات التعامل مع هذه القضايا، وإن كانت الخطوات لا تزال دون المستوى المطلوب.
وتكشف أن جمعية “كفى” أعدّت، بعد مسار استمر سنوات، اقتراح قانون لتنظيم العمل المنزلي، سُجّل في مجلس النواب في كانون الأول 2024، ووقّع عليه ثمانية نواب. ويقوم الاقتراح على إدخال العاملات المنزليات ضمن قانون العمل، مع تخصيص فصل ينظم طبيعة هذا العمل ويراعي خصوصية العلاقة بين العاملة وصاحب العمل.
وتشدد إسحق على ضرورة التزام لبنان المعايير الدولية والمطالب الحقوقية المتعلقة بحماية العاملات وإلغاء نظام الكفالة، معتبرة أن تنظيم العمل المنزلي وفق أسس قانونية وحقوقية يحد من الاستغلال والعمل القسري، ويضمن حقوق العاملات وأصحاب العمل على حد سواء.
وتوضح أن “كفى” ساهمت في إصدار التعميم المتعلق بعدم توقيف العاملات عند توافر أعذار مقبولة لعدم تجديد إقامتهن، بعد مناقشات مع النيابة العامة التمييزية وعرض الإشكاليات الناتجة عن توقيف عاملات لا يتحملن مسؤولية تجديد إقامتهن.
وترى أن هذا التعميم شكّل خطوة مهمة للحد من استخدام الإقامة وسيلة ضغط على العاملات، إذ إن تهديدهن بالتوقيف بسبب عدم حيازتهن الأوراق يدفعهن إلى البقاء في ظروف مسيئة، حتى في حال عدم تقاضي أجورهن أو تعرضهن للتعنيف.
وتختم إسحق بالتأكيد أن الجمعية تضغط حالياً من أجل التشدد في تطبيق التعميم، ومنع تكرار قرارات مماثلة، بما يضمن حماية العاملات والتعامل مع الحالات التي تتضمن مؤشرات اتجار بالبشر وفق الإجراءات الحمائية المعتمدة.
وفي النهاية، تكشف قضية “د.غ.” أن التحدي لا يقتصر على إقرار القوانين والتعاميم التي تهدف إلى حماية العاملات المنزليات، بل يمتد إلى ضمان تطبيقها وعدم تحميل العاملات تبعات مخالفات قد يكنّ ضحايا لها. فالحماية الحقيقية لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بقدرة المؤسسات المعنية على إنصاف العاملات وتأمين حقوقهن وصون كرامتهن.










اترك ردك