من القطاع المصرفي إلى الصحي… لبنان في مواجهة تمدّد العقوبات

أثار تعميم حاكم مصرف لبنان القاضي بتعليق الموافقات المتعلقة بالطبابة والاستشفاء لموظفي المصرف في كل من مستشفى «الرسول الأعظم» ومركز «أل أم سي»، تساؤلات حول خلفيات القرار وتداعياته المحتملة، ولا سيما في ظل سلسلة من الإجراءات التي شهدتها المرحلة الأخيرة، وما تثيره من مخاوف من اتساع نطاقها، فالقرار، بصرف النظر عن مبرراته المعلنة، يطرح إشكالية تتصل بحدود تأثير الضغوط الخارجية على قرارات المؤسسات الرسمية، ومدى استعداد هذه المؤسسات لتكييف سياساتها مع المتطلبات الأميركية، كما يعيد إلى الواجهة ملف التعامل مع المؤسسات التي قد تكون موضع تدقيق أو استهداف في سياق العقوبات والقيود المالية.

 

وتكمن أهمية المسألة في احتمال ألا تكون التداعيات محصورة بالقطاع الصحي، إذ يبرز تساؤل حول ما إذا كان لبنان مقبلاً على مرحلة تتسع فيها دائرة القيود لتشمل جوانب إضافية من الحياة الاقتصادية والمؤسساتية.

 

وسبق أن برز مسار تشديد الرقابة على التعاملات المالية والمؤسسات التي قد ترتبط بجهات خاضعة للعقوبات الدولية، والتطور الأبرز في خلفية القرار يتمثل في سحب مصرف لبنان الترخيص المحلي لبنك صادرات إيران في تشرين الأول 2026، والبدء بتصفية عملياته، مع منحه مهلة حتى مطلع عام 2027 لنقل حسابات عملائه إلى مصارف أخرى.

 

وتكمن أهمية هذه الخطوة، كما يقول الاستاذ الجامعي والخبير المالي بلال علامة، في العلاقة المصرفية بين بنك صادرات إيران ومستشفى الرسول الأعظم، إذ تشير المعلومات المنشورة إلى ارتباط حسابات المستشفى بالمصرف الإيراني. ومع سحب ترخيصه، أصبح استمرار التحويلات المالية عبره يطرح إشكاليات تتعلق بالامتثال والرقابة المصرفية، ومن هنا جاء وقف التحويلات المباشرة إلى المستشفى، وفق ما نقلته مصادر مصرفية، تفادياً لمخاطر التعامل مع مصرف سُحب ترخيصه، مع الإبقاء على حق موظفي مصرف لبنان في تلقي العلاج وتسديد النفقات ثم استردادها وفق الآلية المعتمدة.

 

أما إدراج مركز LMC في الإجراء نفسه، فيستدعي، بحسب علامة، توضيحاً رسمياً إضافياً بشأن خلفياته وطبيعة علاقاته المصرفية، إذ لا تتوافر معطيات منشورة تثبت تطابق حالته مع حالة مستشفى الرسول الأعظم.

 

ويأتي هذا التطور في سياق أوسع رسمه التعميم الأساسي رقم 170 الصادر عن مصرف لبنان في تموز 2025، والذي وضع تدابير احترازية لمنع التعامل مع جهات غير مرخصة أو خاضعة لعقوبات صادرة عن سلطات خارجية، وشمل التعاملات المباشرة وغير المباشرة. وهو ما يعكس انتقال الامتثال المالي من مجرد مراقبة الحسابات والتحويلات إلى التدقيق في طبيعة العلاقات المالية والمؤسساتية.

 

ورغم تأكيد مصرف لبنان أن إجراءاته إدارية ورقابية ولا تحمل أبعاداً سياسية، فإن توقيتها يتقاطع، كما يقول علامة، مع تصاعد الضغوط الأميركية لتجفيف مصادر تمويل الجهات الخاضعة للعقوبات، ومع خشية لبنان من تعريض قطاعه المصرفي لعقوبات إضافية أو خسارة علاقاته بالمصارف المراسلة، ولا تتوافر أدلة تثبت صدور توجيه أميركي مباشر بشأن هذا القرار، لكن تأثير البيئة الدولية الضاغطة في الخيارات المصرفية اللبنانية بات عاملاً لا يمكن تجاهله.

 

وتكمن خطورة هذا المسار، بحسب علامة، في احتمال امتداد التدقيق إلى قطاعات أخرى، كالصحة والتأمين والتجارة والخدمات، إذا شملت القيود مؤسسات أو تعاملات مرتبطة بجهات مدرجة على لوائح العقوبات. وقد تتحول مخاطر الامتثال إلى عامل مؤثر في علاقات المصارف مع المؤسسات، حتى عندما لا تكون هذه المؤسسات مدرجة مباشرة على تلك اللوائح.

 

لكن التداعيات، وفق علامة، قد تتجاوز المؤسسات المعنية لتطال الموظفين والمرضى والمواطنين، إذا انعكست القيود على التغطية الطبية والتحويلات وتسديد مستحقات الموردين. لذلك، تبرز ضرورة الفصل بين متطلبات الامتثال المالي وحق المواطنين في العلاج، وضمان عدم تحميل العاملين والمستفيدين من الخدمات الصحية كلفة الإجراءات المصرفية والسياسية.

 

ويؤكد علامة، أن لبنان لا يملك ترف تجاهل المعايير المالية الدولية، لكنه لا يستطيع أيضاً ترك قراراته رهينة ضغوط خارجية أو تدابير احترازية تفتقر إلى الوضوح وتقع على الحكومة ومصرف لبنان مسؤولية إعلان الأسس القانونية لهذه الإجراءات، وتحديد معايير تطبيقها، والتمييز بين المخالفات المثبتة ومجرد الاشتباه، مع حماية استمرارية الخدمات الأساسية.

 

ومع ذلك، لا يشكل التعميم وحده، وفق قراءة علامة دليلاً على بدء إعادة رسم مكتملة لخريطة المؤسسات اللبنانية، لكنه يكشف عن اتساع تأثير العقوبات الدولية من التعاملات المصرفية إلى العلاقات المؤسساتية والخدماتية، والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه الإجراءات ستبقى محصورة بالجهات والتعاملات المشمولة قانوناً بالقيود، أم ستتحول إلى مسار أوسع يعيد تحديد قواعد التعامل المالي مع مؤسسات لبنانية في قطاعات مختلفة.

 

وعلبه، فإن التحدي أمام الدولة لم يعد مجرد الامتثال لقواعد النظام المالي الدولي، بل كيفية التوفيق بينها وبين حماية السيادة المؤسسية وحقوق المواطنين، من دون أن تتحول الضغوط الخارجية إلى قرارات داخلية يدفع اللبنانيون ثمنها من صحتهم واقتصادهم واستقرارهم.