أدوية التخسيس تعيد رسم الاقتصاد… من المطاعم إلى الطيران والأزياء

لم تعد أدوية إنقاص الوزن تقتصر على تغيير شكل الجسم أو العادات الغذائية، بل بدأت تُحدث تحولات في إنفاق المستهلكين، وتفرض تحديات على شركات الأغذية والمطاعم والمشروبات والأزياء، فيما تفتح أسواقاً جديدة أمام قطاعات الرياضة والمكملات الغذائية ومستحضرات التجميل.

وبحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، يستخدم نحو 38 مليون شخص في الولايات المتحدة أدوية إنقاص الوزن من فئة “GLP-1″، فيما بدأت الشركات خارج قطاع الرعاية الصحية تراقب تأثيرها في المبيعات والتوقعات المالية. وخلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أيلول، ناقشت أكثر من 200 شركة مدرجة في البورصة، من خارج القطاع الصحي، هذه الأدوية في اتصالاتها مع المستثمرين، أي أكثر من ضعف العدد المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي.

وتعمل هذه الأدوية، التي طُوّرت أساساً لعلاج السكري، على تقليل الشهية وتحفيز إفراز الأنسولين. ومع توقع انتشار الحبوب الفموية وانخفاض تكاليف التصنيع وظهور نسخ جنيسة في السنوات المقبلة، يُرجح أن يتوسع استخدامها خارج الفئات الأعلى دخلاً التي تركزت بينها حتى الآن.

الصالات الرياضية والمكملات تستفيد
تبدو الصالات الرياضية من القطاعات المستفيدة من انتشار هذه الأدوية، بعدما أظهرت التجربة أن فقدان الوزن السريع قد يصاحبه تراجع في الكتلة العضلية وكثافة العظام، ما يدفع المستخدمين إلى ممارسة تمارين المقاومة للحفاظ على العضلات.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “PureGym”، أليكس وود، إن الشركة باتت تنظر بتفاؤل إلى تأثير هذه الأدوية، بعدما كانت تخشى أن تدفع المستخدمين إلى الابتعاد عن الصالات الرياضية. وأظهرت دراسة لشركة “PwC” في بريطانيا أن 27% من مستخدمي هذه الأدوية يتوقعون زيادة إنفاقهم على اللياقة البدنية، مقابل 5% يعتزمون خفضه.

وتعمل سلاسل رياضية على تخصيص مساحات أكبر لتمارين القوة، وتدريب المدربين على احتياجات مستخدمي أدوية التخسيس، فيما تدرس “PureGym” تقديم باقات عضوية مخفضة بالتعاون مع جهات تصف هذه الأدوية.

كما تستفيد شركات المكملات الغذائية ومستحضرات التجميل من احتياجات مرتبطة بفقدان الوزن السريع، بينها تعويض البروتين والألياف والكولاجين والتعامل مع ترهل الجلد وتساقط الشعر والجفاف. وأظهر استطلاع شمل 1500 مستخدم، أجرته مجموعة “Boston Consulting Group”، أن مستخدمي هذه الأدوية ينفقون على المكملات أكثر بنسبة 20% من غير المستخدمين.

الأغذية السريعة والوجبات الخفيفة تحت الضغط
في المقابل، تواجه شركات الأغذية المعلبة والوجبات السريعة تحديات، بعدما تراجعت الرغبة في تناول الوجبات الخفيفة لدى بعض مستخدمي أدوية التخسيس، وأصبح كثيرون يفضلون كميات أقل وأطعمة غنية بالبروتين والعناصر الغذائية.

ووجدت دراسة أجرتها جامعة كورنيل ومجموعة “Numerator” أن إنفاق المستخدمين على منتجات المخابز الحلوة، مثل الكعك المحلى والدونات، انخفض بنسبة 9% خلال الأشهر الستة الأولى من استخدام الأدوية، فيما تراجع الإنفاق على رقائق البطاطا والوجبات الخفيفة المالحة بنسبة 11%.

وفي بريطانيا، قدّرت مجموعة “Worldpanel by Numerator” أن استخدام هذه الأدوية خفّض الإنفاق على مشتريات البقالة بنحو 780 مليون جنيه إسترليني سنوياً، وفق مستويات الاستخدام الحالية.

وتحاول الشركات التكيف مع هذا التحول من خلال طرح حصص أصغر ومنتجات مرتفعة الجودة وغنية بالبروتين. وتركز شركة “Magnum Ice Cream Company” على العبوات الصغيرة والآيس كريم المدعم بالبروتين، فيما طرحت سلسلة “KFC” حصصاً أصغر من الدجاج والبطاطا بأسعار تبدأ من 3.49 دولارات في الولايات المتحدة.

أما سلسلة “McDonald’s”، فتدرس خيارات غنية بالبروتين، تشمل أطباق البروتين والدجاج المشوي والبيض، مع التركيز على توفير مرونة أكبر في حجم الوجبات.

وأظهرت دراسة تابعت مشتريات الأسر أن الإنفاق على مطاعم الوجبات السريعة والمطاعم ذات الخدمة المحدودة انخفض بنسبة 8% بعد بدء أحد أفراد الأسرة باستخدام هذه الأدوية. وحذرت شركة “Domino’s Pizza” المستثمرين من احتمال تأثير علاجات إنقاص الوزن في الطلب، فيما رأى محللون أن تراجع عدد الأصناف في الطلب الواحد قد يكون مرتبطاً جزئياً بهذا الاتجاه، إلى جانب الضغوط الاقتصادية على المستهلكين.

تأثير أقل وضوحاً في سوق الكحول
لا تزال انعكاسات أدوية التخسيس على استهلاك الكحول موضع نقاش. فبينما يفترض باحثون أن تقليل الشهية قد يخفف الرغبة في المشروبات الكحولية أيضاً، أظهرت بيانات المشتريات أن إنفاق المستخدمين على الكحول تراجع بنسبة 1% فقط خلال الأشهر الستة الأولى من العلاج، مقابل انخفاض الإنفاق على البقالة بنسبة 5.3%.

وقالت شركة “Diageo”، المنتجة لمشروب “Johnnie Walker”، إن مستخدمي هذه الأدوية ينفقون أقل بنسبة 2% على المشروبات الروحية، و4% على البيرة، و5% على النبيذ. وأضافت أن نصف مستخدمي هذه الأدوية على الأقل ما زالوا يرتادون الحانات أو المقاهي مرة أسبوعياً.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التأثير قد لا يكون موحداً في القطاع، إذ يمكن أن يتراجع استهلاك بعض المنتجات فيما يتحول آخرون إلى مشروبات أقل حجماً أو سعرات حرارية.

شركات الطيران تراقب الوزن
قد تستفيد شركات الطيران أيضاً من تراجع متوسط أوزان المسافرين، إذ يشكل الوقود أحد أكبر نفقاتها التشغيلية. ووفق تقديرات مصرف “Jefferies”، فإن انخفاض متوسط وزن 178 راكباً على متن طائرة “Boeing 737 Max 8” بنسبة 10% قد يخفض وزن الإقلاع الإجمالي للطائرة بنحو 2%.

وقدّر المصرف أن هذه الوفورات قد تصل إلى نحو 580 مليون دولار سنوياً لدى أكبر أربع شركات طيران أميركية مجتمعة. لكن هذه الحسابات لا تعني أن الوفر سيتحقق بالكامل، إذ قد تعوّضه خسارة مبيعات الوجبات الخفيفة والمشروبات، أو تستغل الشركات الوزن المتاح لنقل مزيد من الشحنات.

الأزياء والمقاسات أمام واقع جديد
تتأثر سوق الملابس أيضاً بتغير مقاسات المستهلكين. ووفق أبحاث “PwC”، أفاد نحو ثلاثة أرباع مستخدمي أدوية “GLP-1” النشطين بحدوث تغير ملحوظ في مقاسات ملابسهم.

ويُتوقع أن تواجه العلامات التجارية المتخصصة بالمقاسات الكبيرة ضغوطاً على الطلب، فيما قد تستفيد شركات أخرى من شراء المستهلكين ملابس جديدة بعد فقدان الوزن أو رغبتهم في تغيير أسلوبهم.

ونقلت الصحيفة عن آلان هورويتز، صاحب متجر بدلات مفصلة في نيويورك، أن التقلبات الكبيرة في أوزان الزبائن باتت تعقّد عمله، خصوصاً أن متجره يقدم تعديلات مجانية مدى الحياة. وقدّر أن أدوية التخسيس خفّضت إيراداته بنحو 10 إلى 12%.

وتعكس هذه التحولات اتجاهاً يتجاوز قطاع الأدوية، إذ بدأت الشركات تعيد النظر في أحجام المنتجات وأسعارها وقوائم الطعام وخطط المخزون، مع تغير عادات المستهلكين في الأكل والرياضة والتسوق.