إذا سقط اتفاق الإطار “غير المثالي”… فما هو البديل؟

قد يكون اعتراف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بأن “اتفاق الإطار”، الذي وقّعه لبنان الأسبوع الماضي، “ليس اتفاقاً مثالياً”، المدخل الأكثر واقعية لإطلاق حوار وطني هادئ حوله، بعيداً من منطق التخوين أو المزايدات السياسية. فاعتراف رئيس الدولة بأن الاتفاق يحمل ثغرات ويحتاج إلى متابعة دقيقة لا يعني التقليل من أهميته، بل الإقرار بأن التسويات التي تُولد بعد الحروب نادراً ما تأتي مكتملة أو تلبي جميع مطالب الأطراف.

ومن هذا المنطلق، يبدو السؤال الأساسي اليوم ليس ما إذا كان الاتفاق مثالياً، بل ما إذا كان البديل المطروح أكثر قدرة على تحقيق الأهداف التي يطمح إليها اللبنانيون، وفي مقدمها تثبيت وقف الأعمال العدائية، واستعادة ما تبقى من الأراضي المحتلة، وتأمين عودة أبناء القرى الحدودية إلى منازلهم، ومعالجة ملف الأسرى والمفقودين، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد الذي أنهكته سنوات الحرب والأزمات المتراكمة.

غير أن هذا النقاش يكشف أيضاً حجم الانقسام السياسي حول مقاربة المرحلة المقبلة. فهناك فريق يرى في الاتفاق، على الرغم من ملاحظاته عليه، فرصة لانتقال لبنان من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق التفاوض السياسي، انطلاقاً من قناعة بأن موازين القوى الحالية، والظروف الإقليمية والدولية، تفرض البحث عن حلول دبلوماسية تحمي ما تبقى من الدولة وتخفف الأعباء عن اللبنانيين.

في المقابل، تعتبر القوى الرافضة للاتفاق أن أي تفاهم لا يتضمن ضمانات واضحة لانسحاب إسرائيل الكامل ووقف اعتداءاتها بصورة نهائية قد يتحول إلى تكريس لوقائع ميدانية جديدة، أو إلى منح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية من دون مقابل كافٍ. ومن هذا المنطلق، ترى هذه القوى أن الردع الذي فرضته المقاومة خلال السنوات الماضية يجب أن يبقى عنصراً أساسياً في أي معادلة مقبلة، وأن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى عناصر قوة فعلية قد لا يحقق الأهداف الوطنية المرجوة.

ومن هنا، لا يبدو الانقسام قائماً بين من يريد السلام ومن يريد الحرب، بقدر ما هو خلاف حول الوسيلة التي تضمن حماية لبنان واستعادة حقوقه. ففريق يعتقد أن اللحظة الحالية مؤاتية للاستفادة من الزخم الدولي وتحويل الإنجاز الدبلوماسي إلى مكاسب عملية، فيما يرى الفريق الآخر أن أي تنازل غير محسوب قد ينعكس سلباً على موقع لبنان التفاوضي وعلى معادلة الردع التي تشكلت خلال السنوات الماضية.

لكن، بعيداً من السجال السياسي، يبقى معيار الحكم على “اتفاق الإطار” مرتبطاً بما سيحققه على الأرض. فإذا نجح في تثبيت الهدوء، ودفع إسرائيل إلى الانسحاب التدريجي من الأراضي التي لا تزال تحتلها، وإعادة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، فسوف يكتسب شرعية سياسية وشعبية تتجاوز الاعتراضات التي رافقت ولادته. أما إذا بقي حبراً على ورق، أو عجز عن وقف الاعتداءات وتطبيق الالتزامات المتبادلة، فإن الجدل حوله لن ينتهي، بل سيتحول إلى عنوان دائم للصراع السياسي الداخلي.

قد يكون أهم ما قاله الرئيس جوزاف عون أن الاتفاق “ليس مثالياً”، لأنه فتح الباب أمام نقاش أكثر واقعية. فالتاريخ لا يذكر الاتفاقات التي كانت كاملة، بل يذكر الاتفاقات التي نجحت في إنهاء الحروب، أو تلك التي فشلت فعادت معها الحروب بأثمان أعلى. والسؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم ليس كيف يكتبون اتفاقاً مثالياً، بل كيف يحولون اتفاقاً ناقصاً إلى فرصة تمنع انزلاق البلاد مجدداً إلى دورة جديدة من المواجهة.

وهنا يمكن التذكير بما قاله البطريرك المثلث الرحمات مار نصرالله بطرس صفير في اتفاق الطائف بأنه كان “أفضل الممكن”، أي بمعنى آخر بأنه لم يكن “مثاليًا”، ولكن يكفي أن يكون قد أوقف الحرب وفتح الباب واسعًا أمام إصلاحات بنيوية في طبيعة النظام اللبناني.

وهكذا هي الحال مع “اتفاق الإطار”، الذي يبقى، في نظر مؤيديه، “أفضل الممكن” للانتقال من حال الحرب إلى حال الاستقرار فالسلم.