خلال فترة الحرب، توقفت عجلة الإنتاج في قطاعات أساسية، من الصناعة إلى التجارة والخدمات. عدد كبير من المصانع أُجبر على الإقفال، إما بسبب الأضرار المباشرة أو نتيجة تعذر التشغيل في ظل انقطاع الكهرباء وارتفاع كلفة الطاقة وصعوبة تأمين المواد الأولية. هذا التوقف المفاجئ انعكس مباشرة على العمال، حيث سُرّح آلاف الموظفين من دون أي بدائل أو تعويضات تُذكر، في ظل غياب شبه كامل لشبكات الأمان الاجتماعي.
لكن الأزمة لا تقف عند لحظة الإقفال. فإعادة تشغيل هذه المؤسسات ليست مسألة وقت قصير، بل عملية معقدة تتطلب تمويلًا كبيرًا، وإصلاحًا للبنية التحتية، وإعادة تأهيل للآلات، فضلًا عن استعادة سلاسل التوريد. وفي بلد يعاني أصلًا من أزمة مالية حادة، تبدو هذه الشروط بعيدة المنال في المدى القريب، ما يعني أن البطالة مرشحة للاستمرار، وربما التفاقم.
إلى جانب ذلك، تشكل كلفة الطاقة أحد أبرز العوائق أمام استعادة النشاط الاقتصادي. فالمؤسسات التي لم تتضرر بشكل كامل تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كلفة تشغيل مرتفعة في مقابل طلب ضعيف في السوق. هذا الواقع يدفع العديد من أصحاب الأعمال إلى تقليص عدد الموظفين أو تأجيل إعادة فتح مؤسساتهم، ما يكرّس حالة من البطالة الهيكلية بدل أن تبقى ظرفية.
القطاع التجاري بدوره لم يكن بمنأى عن هذه التداعيات. المحال الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري لفرص العمل في لبنان، تعرضت لضربة قاسية نتيجة الإقفال وتراجع القدرة الشرائية. قسم كبير منها خرج من السوق نهائيًا، ما يعني خسارة مستدامة لفرص العمل، وليس مجرد تراجع مؤقت.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: من سيدفع الفاتورة؟
حتى الآن، يبدو أن العبء الأكبر يقع على عاتق العامل اللبناني. فغياب أي خطة حكومية واضحة للتعافي، وعدم وجود برامج دعم للبطالة أو إعادة تأهيل مهني، يترك شريحة واسعة من اللبنانيين في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحرب الاقتصادية.
المقارنة مع مرحلة ما بعد حرب 2006 تطرح نفسها هنا، لكن مع فارق أساسي. ففي ذلك الوقت، ساهم تدفق الأموال الخارجية في تحريك ورش إعادة الإعمار وامتصاص جزء من البطالة. أما اليوم، فالمساعدات الدولية تبدو أكثر حذرًا وارتباطًا بشروط سياسية واقتصادية، فيما تعاني الدولة من أزمة ثقة عميقة تحدّ من قدرتها على إدارة أي عملية إعادة إعمار واسعة.
أمام هذا المشهد، تعود الهجرة لتفرض نفسها كخيار واقعي لكثير من اللبنانيين، خصوصًا من فئة الشباب والعمال المهرة. وهو ما يضيف بعدًا آخر للأزمة، يتمثل في استنزاف الكفاءات واليد العاملة، ما يضعف فرص التعافي الاقتصادي في المستقبل.
في المحصلة، تكشف أزمة البطالة بعد الحرب عن خلل بنيوي يتجاوز الأضرار الظرفية. فإعادة الإعمار، إذا لم تقترن بسياسات اقتصادية واضحة تركز على توفير فرص العمل وتحفيز الإنتاج، ستبقى عملية ترميم مادي لا أكثر، فيما يستمر النزيف الحقيقي في سوق العمل.











اترك ردك