في المرحلة السابقة، بدا أن الحرب التي استهدفت القدرات العسكرية بلغت ذروتها، ووصلت إلى حدّ من الاستنزاف المتبادل دون تحقيق اختراق حاسم لأي طرف. الضربات المباشرة وغير المباشرة، رغم كثافتها، لم تنجح في تغيير موازين القوى بشكل جذري، ما ادى الى حالة من الجمود العملياتي. هذا الواقع دفع إسرائيل، على ما يبدو، إلى البحث عن أدوات بديلة لإعادة خلط الأوراق، فكان خيار العودة إلى الاغتيالات.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بطبيعة هذه العمليات، بل بأهدافها الفعلية. هل تستهدف إسرائيل إيران بحد ذاتها، أم أنها تستخدم هذا التصعيد لخدمة حسابات أوسع تتصل بالموقف الأميركي؟ في هذا السياق، يبرز عامل أساسي يتمثل في احتمالات انفتاح واشنطن على مسار تفاوضي جديد مع طهران.
هذا الاحتمال، حتى لو كان غير ناضج بعد، يثير قلقًا واضحًا لدى إسرائيل.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة الاغتيالات كرسالة مزدوجة: من جهة، هي محاولة لإضعاف بنية القرار داخل إيران عبر استهداف شخصيات مؤثرة، ومن جهة أخرى، هي سعي لتعقيد أي مسار تفاوضي محتمل عبر رفع مستوى التوتر إلى حد يصعب معه الجلوس إلى طاولة الحوار.
فإسرائيل لا تبدو مستعدة لمنح أي شخصية إيرانية فرصة لعب دور تفاوضي قد يفضي إلى تفاهمات لا تتوافق مع رؤيتها.
الأكثر دلالة أن الشخصيات المستهدفة تُصنّف ضمن التيار المعتدل داخل إيران. هذا المعطى يطرح تساؤلات جدية حول النية الفعلية وراء هذه العمليات، وما اذا كان الهدف جعل التيار المتشدد في الواجهة بشكل حاسم،إذ إن استهداف هذه الشخصيات قد يدفع النظام الإيراني إلى مزيد من التشدد بدل الانفتاح.
بناءً على ذلك، يبدو أن الهدف الإسرائيلي الأعمق لا يقتصر على إضعاف الخصم، بل يتعداه إلى دفع الصراع نحو مزيد من التصعيد، ومنع أي مسار تهدئة قد يفرض وقائع جديدة في المنطقة. إنها محاولة لإبقاء المواجهة مفتوحة، ورفع كلفتها السياسية والأمنية إلى الحد الأقصى، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
المصدر:
خاص لبنان24











اترك ردك