فالملف لا يتعلق فقط بملء شواغر في الفئة الأولى أو في المؤسسات العامة، بل يشكل اختباراً حقيقياً لما إذا كان لبنان دخل فعلاً مرحلة مختلفة في إدارة الدولة، أم أن النظام السياسي سيعيد إنتاج نفسه بالآليات ذاتها التي أوصلت الإدارة العامة إلى ما هي عليه اليوم.
ويكتسب هذا الاستحقاق أهمية مضاعفة، لأنه يأتي في توقيت دقيق يحتاج فيه لبنان إلى استعادة ثقة الداخل والخارج معاً. فالمؤسسات المالية الدولية والدول المانحة لا تراقب الأرقام والإصلاحات المالية فقط، بل تراقب أيضاً نوعية الإدارة العامة، وقدرتها على تنفيذ السياسات، واستقلاليتها عن التجاذبات السياسية.
من هنا، فإن أي تعيينات تقوم على معايير الكفاءة والشفافية ستُقرأ على أنها رسالة إيجابية بأن الدولة بدأت تستعيد دورها، وأن السلطة الجديدة جادة في بناء إدارة حديثة. أما إذا غلبت عليها اعتبارات المحاصصة وتقاسم النفوذ، فإن ذلك سيبعث برسالة معاكسة، مفادها أن شيئاً لم يتغير، وأن الإصلاح لا يزال شعاراً أكثر منه ممارسة.
ولا يخفى أن القوى السياسية تنظر إلى هذا الملف من زوايا مختلفة. فهناك من يعتبر أن التعيينات يجب أن تعكس التوازنات التي أفرزتها الحياة السياسية، فيما ترى قوى أخرى أن المرحلة الاستثنائية التي يمر بها لبنان تفرض اعتماد معايير مختلفة، يكون معيار الكفاءة فيها مقدماً على أي اعتبار آخر.
وفي هذا السياق، يجد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام نفسيهما أمام استحقاق بالغ الدقة. فهما يدركان أن أي تنازل عن المعايير التي رفعاها منذ بداية العهد سيؤثر في صدقية مشروعهما الإصلاحي، لكنهما يعلمان أيضاً أن النظام اللبناني القائم على التوازنات السياسية والطائفية يجعل الوصول إلى تعيينات توافقية مهمة شديدة التعقيد.
ويبقى السؤال: هل يمكن الجمع بين مقتضيات التوازن السياسي ومتطلبات الكفاءة؟
الجواب ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية واضحة، وآلية شفافة، ومعايير معلنة، بحيث يشعر اللبنانيون بأن الدولة تختار أفضل الكفاءات، لا أكثر الشخصيات قرباً من مراكز القرار.
ولا يمكن فصل هذا الملف عن ورشة إعادة الإعمار والإصلاح الاقتصادي. فالمجتمع الدولي الذي يربط أي دعم مالي بإصلاحات جدية، لن يقتنع بجدية هذه الإصلاحات إذا بقيت الإدارات والمؤسسات تدار بعقلية المحاصصة. ولذلك، فإن التعيينات ليست شأناً داخلياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من صورة لبنان أمام العالم.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويل التعيينات إلى ساحة مواجهة سياسية تؤدي إلى شلل جديد في مؤسسات الدولة. فالإفراط في تعطيلها بحجة رفض المحاصصة قد يكون مضرّاً بقدر اعتماد المحاصصة نفسها. المطلوب هو إيجاد توازن دقيق بين سرعة ملء الشواغر، واحترام المعايير التي تعيد الثقة بالإدارة العامة.
قد يكون ملف التعيينات أول امتحان فعلي للعهد والحكومة، لأنه سيكشف ما إذا كان لبنان دخل مرحلة جديدة في إدارة الدولة، أم أنه لا يزال أسير القواعد القديمة. فالبيانات الوزارية والوعود الإصلاحية مهمة، لكن التعيينات هي المكان الذي تتحول فيه الوعود إلى أفعال، أو تتراجع أمام حسابات السياسة.
ومن هنا، فإن الحكم على العهد لن يبدأ من الملفات الكبرى فقط، بل من الطريقة التي سيبني بها الإدارة التي يفترض أن تنفذ هذه الملفات. فالإدارة الكفوءة هي العمود الفقري لأي مشروع إصلاحي، وأي خلل في بنائها سيعيد إنتاج الأزمة، مهما حسنت النيات.انا الطريقة التي تم فبها التعيين في مجلس الوزراء امس فتطرح اكثر من علامة استفهام ولا تعتبر مؤشرا ايجابيا البتة.











اترك ردك