الجيش يعزز حضوره في النبطية… استعداداً لمرحلة بلا ضمانات

يتجاوز حضور الجيش المتجدّد في النبطية حدود الانتشار العسكري الروتيني، ليعكس حسابات مرتبطة بمسار المرحلة المقبلة حيث تتقاطع المخاوف من توسّع التصعيد الإسرائيلي مع محاولات إعادة تثبيت حضور الدولة في المناطق الأكثر عرضة للاهتزاز، فانتقال وحدات إضافية وتكثيف الدوريات لا ينفصلان عن معادلة أكبر وهي منع أي فراغ أمني يمكن أن تتحول تداعياته إلى واقع سياسي جديد على الأرض.

لم يغادر الجيش النبطية أصلاً طوال المرحلة الماضية، وتؤكد قيادته أن وحداته منتشرة في مختلف المناطق التي لا تخضع للاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما منطقة النبطية، وأن رفع مستوى المهمات في الفترة الراهنة يهدف، قبل كل شيء، إلى طمأنة الأهالي وتعزيز الاستقرار.

لكن طبيعة المرحلة تفرض على المؤسسة العسكرية، بحسب مصادر عسكرية، التعامل مع التطورات وفق إيقاع متبدّل، إذ لا توجد حتى الآن ضمانات صلبة بوقف التصعيد أو بتحييد الجيش عن تداعياته، فيما تبقى أي تعهدات إسرائيلية موضع حذر، باعتبار أن التجربة لا تسمح ببناء الرهانات على الضمانات وحدها،ومن هنا، تكتسب مسألة الانتشار في النبطية بُعداً يتجاوز الأمن الميداني، فالمطلوب هو حضور عسكري وأمني واضح يحول دون استغلال أي تراجع في حضور الدولة، ويؤكد أن المناطق التي لا تحتلها إسرائيل ليست مناطق سائبة، وأن الدولة تسعى إلى تثبيت مرجعيتها الأمنية والسيادية فيها.

وفي هذا السياق، يأتي النقاش السياسي حول انتشار الجيش في النبطية والقرى التي تعرضت للاستهداف. فالبحث الذي جرى بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام لا يتعلق فقط بتوزيع النقاط العسكرية، بل بمحاولة توفير مظلة سياسية لهذا الانتشار، بما يمنحه عناصر القوة والاستمرارية، ويجنّبه التحول إلى خطوة أمنية معزولة عن البيئة المحلية.

وتصبح المعادلة أكثر دقة مع تزايد المخاوف من أن يكون التصعيد الإسرائيلي المقبل أوسع نطاقاً، وأن يتجه نحو استهداف مواقع وبنى مرتبطة بحزب الله في إقليم التفاح ومحيطها، وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال محصوراً في حجم الانتشار العسكري، بل في قدرة الجيش على الحفاظ على حضوره في مدينة النبطية ومحيطها في ظل احتمال فتح جبهة جديدة من الاستهداف.

هذا البعد الداخلي يتقاطع مع حراك دولي متصاعد حول دور الجيش، فباريس وفق مصادر فرنسية، تحاول نقل المقاربة الدولية للمؤسسة العسكرية من إطار الدعم اللوجستي المرحلي إلى تصور أكثر استدامة، يجعل الجيش جزءاً أساسياً من أي ترتيبات أمنية مقبلة في الجنوب.

ويحمل اجتماع 17 أيلول في باريس، وفق المعطيات المتداولة، أهمية تتجاوز موضوع المساعدات العسكرية. فالنقاش يتجه إلى كيفية تمكين الجيش من لعب الدور الأمني المركزي في الجنوب، وآليات تطبيق القرار 1701 في ظل الوقائع التي أفرزتها جولات التصعيد، ثم البحث عن ترتيبات تمنع نشوء فراغ أمني جديد يمكن أن تتحول معه الحدود إلى ساحة مفتوحة أمام اي تصعيد جديد.

وفي هذا السياق، لا تقتصر التحضيرات للمؤتمر على طلب دعم إضافي للمؤسسة العسكرية، بل تعكس محاولة لبناء تصور واضح لدور الجيش في المرحلة المقبلة، فقد أعدّت القيادة جردة شاملة لحاجاتها، تشمل التسليح والتجهيز والدعم اللوجستي والتقني، مع تركيز خاص على القدرات التي يحتاجها الجيش لتعزيز انتشاره وفاعليته في الجنوب. وتكتسب هذه المطالب دلالتها من كونها مرتبطة مباشرة بمقدرة الدولة على الإمساك بالملف الأمني، فالمطلوب، وفق مصادر متابعة، ليس مجرد تعزيز عديد الجيش أو رفده بمساعدات ظرفية، وإنما الانتقال به إلى مستوى من الجهوزية يسمح له بالقيام بمهامه على الأرض بفاعلية واستقلالية أكبر.