لم يكن ما جرى في محيط مجلس النواب خلال اليوم الأخير من مناقشة الموازنة مجرّد تحرّك مطلبي عابر، بل شكّل مشهدًا اجتماعيًّا بالغ الدلالة، بعد نحو عام على تأليف الحكومة، كاد أن يطيح بها من بوابة موازنتها. فالاحتجاجات التي قادها موظّفو القطاع العام والعسكريون المتقاعدون، والتي بلغت حدّ اقتحام العسكريين الحاجز الأمني وصولًا إلى باب مجلس النواب، عكست حجم الإحباط المتراكم بفعل عجز الحكومة عن ترجمة وعودها إلى خطوات ملموسة.
وعلى الرغم من التعهّدات بمعالجة الملف المعيشي، تبيّن أنّ مسألة تصحيح الرواتب والمعاشات التقاعدية لم تُدرج ضمن جدول المعالجة الفورية، بل عملت الحكومة على ترحيلها إلى ما بعد إقرار الموازنة العامة. ومع انطلاق مناقشات الموازنة، انفجر الشارع في وجه الحكومة والمجلس معًا، في رسالة واضحة،مفادها أنّ سياسة التأجيل لم تعد مقبولة.
لماذا وصلت الأمور إلى حافة الانفجار الشعبي؟
الكهرباء..الفشل الأكبر
على مستوى الملفات الخدماتيّة، يبرز ملف الكهرباء بوصفه أحد أكثر الإخفاقات فداحة، رغم ما شكّله خروج وزارة الطاقة للمرة الأولى منذ عام 2009 من قبضة النائب جبران باسيل ومستشاريه من فرصة حقيقية لاعتماد نهج مغاير، سواء عبر تنويع مصادر الإنتاج كالطاقة الشمسية والغاز، أو عبر خفض الهدر التقني وغير التقني الذي تجاوز الخمسين في المئة.
الإصلاحات الماليّة: التزام بالمهل ولكن
بعيدًا من الملف المعيشي، يسود انطباع عام بفشل الحكومة في تحويل وعودها الإصلاحية إلى مسار تنفيذي واضح. فالإصلاحات الاقتصاديّة الأساسيّة لا تزال متعثّرة، ما يفاقم حالة انعدام الثقة، ويبدّد الآمال بإحداث تغيير فعلي في بنية الاقتصاد والإدارة.
وفيما تدرج الحكومة في قائمة إنجازاتها، إرسال مشروع الموازنة إلى المجلس النيابي ضمن المهلة الدستوريّة وبصفر عجز،كدليل على انتظام العمل المالي، إلا أنّ النقاشات النيابية كشفت ضعف الرؤية الكامنة خلف الأرقام، إذ وُصفت الموازنة، حتى من قبل نواب ينتمون إلى كتل مشاركة في الحكومة، بأنّها تفتقر إلى أيّ مقاربة إصلاحيّة.
كذلك رأى البنك الدولي، في تقريره الأخير أنّ مشروع الموازنة فشل في تقديم رؤية اقتصادية متماسكة “فبينما يبدو متوازن، يستثني ذلك خدمة الدين وتصحيح الأجور والإنفاق الاستثماري الفعلي. أمّا هيكل الإيرادات فيبقى رجعياً، إذ إنّ أكثر من 52% منها تأتي من ضرائب غير مباشرة تُثقل كاهل الفئات ذات الدخل المنخفض، في غياب شبه كامل للضرائب التصاعدية”.
أمّا مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، على رغم أهمّيته كونه يجسّد أول إطار قانوني يصدر عن السلطة التنفيذيّة بعد ست سنوات على اندلاع الأزمة، إلّا أنّه لاقى انتقادات واسعة وتشكيكًا بقدرته على تحقيق العدالة بين المودعين.
خطيئة الحكومة في التعيينات
غياب الاستثمار
في الشق الاستثماري، ورغم الأجواء التفاؤلية التي رافقت مؤتمر بيروت، لم يترجم أي من الوعود إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع. كذلك، لم يسجَّل أي تقدّم يُذكر في ملف الاستثمارات الخارجية أو في قطاع النفط، ما يعكس ضعفًا في الرؤية الاقتصادية.
استعادة قرار الحرب والسلم











اترك ردك