ويأتي ذلك بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط، وتجدد المخاوف من التضخم. وفي هذا التوقيت، أعلنت مجموعة من أكبر البنوك الصينية وقف تداول الذهب الورقي للأفراد، في خطوة قد تتجاوز إدارة المخاطر إلى تعزيز حضور الذهب المادي في السوق.
وتكمن أهمية الخطوة الصينية في اختلافها عن النموذج المعتمد في الأسواق الغربية. فبينما تستند أسواق لندن و”كومكس” بصورة واسعة إلى العقود الآجلة والمشتقات المالية، تتحرك الصين نحو سوق ترتكز بدرجة أكبر على التسليم الفعلي للمعدن.
وعندما يصبح الطلب على السبائك أكثر تأثيرا من المضاربات الورقية، ترتبط الأسعار بصورة أوضح بحجم العرض والطلب الفعلي، وتتراجع نسبيا آثار الرافعة المالية والمراكز قصيرة الأجل. ومن هنا، قد لا يكون هدف الصين محصورا بحماية المستثمرين المحليين، بل يشمل أيضا توسيع نفوذها في منظومة تسعير الذهب.
في المقابل، تواصل السياسة النقدية الأميركية الضغط على المعدن الأصفر. فارتفاع النفط مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يعيد المخاوف التضخمية، ويدفع الأسواق إلى إعادة تقييم احتمال استمرار الاحتياطي الفيدرالي في التشدد.
وتفسر هذه المعادلة تعرض الذهب لضغوط بيعية رغم الطلب عليه كملاذ آمن. فارتفاع توقعات الفائدة يعزز جاذبية الدولار والسندات الأميركية، ويحد من قدرة الذهب على تسجيل مكاسب مستدامة.
لكن العلاقة التقليدية بين الذهب والفائدة أصبحت أقل وضوحا، بعدما واصلت البنوك المركزية، وفي مقدمها الصين، زيادة احتياطياتها من المعدن خلال الأعوام الماضية. وقد وفّر ذلك مصدرا طويل الأجل للطلب لا يرتبط بالمضاربات أو تحركات المستثمرين الأفراد، ومنح الذهب دعما أقوى في مواجهة موجات التصحيح.
ولذلك، لم يعد الحديث عن انتقال مركز ثقل سوق الذهب من الغرب إلى الشرق مجرد احتمال بعيد. فبورصة شنغهاي تعتمد بصورة أكبر على التداول المدعوم بالتسليم الفعلي، بينما تستند الأسواق الغربية إلى العقود الورقية. وإذا واصلت الصين تقليص الاعتماد على هذه العقود، فقد تتغير تدريجيا آلية اكتشاف الأسعار لمصلحة الطلب الحقيقي.
مع ذلك، لن تفقد المراكز المالية الغربية نفوذها سريعا، في ظل السيولة الكبيرة في أسواق العقود الآجلة واستمرار الدور المحوري للدولار. إلا أن نمو الطلب الآسيوي وارتفاع مشتريات البنوك المركزية قد يفرضان توازنا جديدا بين الشرق والغرب.
وعلى المدى القصير، ستبقى أسعار الذهب مرتبطة بالتضخم الأميركي والفائدة وتطورات الصراع في الشرق الأوسط. أما على المديين المتوسط والطويل، فقد يدعم توسع سوق الذهب المادي في الصين وطلب البنوك المركزية اتجاها تصبح فيه الأسعار أكثر ارتباطا بالمعدن الفعلي، وأقل خضوعا لحجم العقود الورقية. (انفستنغ)











اترك ردك