قبل فترة، كان المناخ مختلفًا تمامًا. جزء كبير من القوى السياسية تعامل مع نتائج الحرب باعتبارها فرصة لإحداث انقلاب جذري في موازين القوى الداخلية، ووصل النقاش في بعض المراحل إلى حد الحديث عن عزل حزب الله سياسيًا ومحاصرته، وصولًا إلى تقليص الحضور الإيراني في لبنان إلى أدنى مستوى ممكن. لكن الوقائع الداخلية والإقليمية أثبتت أن المسألة أكثر تعقيدًا، وأن موازين القوى في بلد مثل لبنان لا تتغير بهذه السهولة.
اليوم، يبدو أن مقاربة مختلفة بدأت تفرض نفسها. فغالبية القوى السياسية، بما فيها أطراف شديدة الخصومة مع حزب الله، باتت تتعامل معه باعتباره جزءًا من الحياة السياسية اللبنانية لا يمكن شطبه بقرار أو تجاوزه عند البحث في مستقبل البلاد. ويمكن ملاحظة هذا التحول حتى في بعض المواقف الصادرة عن نواب في القوات اللبنانية، رغم استمرار الخلاف السياسي العميق بينها وبين الحزب.
من هنا أيضًا يمكن فهم الكلام الذي صدر عن توم باراك حول التفاوض مع حزب الله. فالفكرة لا تبدو منفصلة عن مناخ أوسع بدأ يتشكل داخل لبنان، يقوم على الانتقال من محاولة فرض وقائع نهائية على الحزب إلى البحث عن كيفية التعامل معه ضمن معادلة سياسية جديدة.
هذا لا يعني أن الخلافات انتهت، ولا أن خصوم حزب الله تراجعوا عن موقفهم من سلاحه أو من علاقته بإيران. لكن الفارق الأساسي هو أن الواقعية بدأت تحل مكان الرهانات السابقة. حتى القوى التي تعتبر أن الحزب والطائفة الشيعية خرجا من الحرب بخسائر كبيرة تدرك في الوقت نفسه أن الشيعة سيبقون مكوّنًا أساسيًا في التوازن اللبناني، وأن أي تسوية قابلة للحياة لا تستطيع تجاوزهم أو التعامل معهم باعتبارهم خارج المعادلة.
تجديد إقامة السفير الإيراني يصبح، وفق هذا السياق، مؤشرًا سياسيًا يتجاوز شخص السفير نفسه. فإيران لا تزال حاضرة في المشهد اللبناني، وحزب الله لا يزال لاعبًا داخليًا رئيسيًا، وبالتالي فإن إدارة المرحلة المقبلة ستحتاج إلى لغة مختلفة عن تلك التي سادت في ذروة الحرب وما بعدها مباشرة.
وعليه، قد نشهد خلال المرحلة المقبلة مزيدًا من العقلانية في العلاقة بين القوى اللبنانية المتخاصمة، ومحاولات لإعادة فتح قنوات سياسية أغلقتها الحرب والتصعيد. وليس مستبعدًا أن يقود ذلك إلى بلورة تسوية داخلية لبنانية تسبق، ولو بخطوات محدودة، التسويات الإقليمية الكبرى.
لبنان، بهذا المعنى، قد لا ينتظر اكتمال صورة المنطقة لكي يبدأ ترتيب بيته الداخلي. فالوقائع الجديدة تدفع الجميع نحو الاعتراف بأن لا طرف قادر على إلغاء الآخر، وأن المرحلة المقبلة ستكون، على الأرجح، مرحلة تفاوض على التوازنات الجديدة بدل الاستمرار في الرهان على الحسم الكامل.











اترك ردك