لقد تجلّى هذا البُعد الإنساني بأبهى صوره في خلال الحرب العالمية الأولى، حين نهكت المجاعة البلاد بين عامي 1915 و1918. في تلك الساعات الحرجة، لم يكتفِ البطريرك بالدعاء أو الصلوات الروحية، بل نزل إلى ميدان الواقع؛ سَخَّر أموال البطريركية وأمواله الخاصة لإنقاذ الجياع، وفتح أبواب بكركي لتكون ملاذاً ومقرّاً يومياً لتوزيع الطعام. بل إنّه ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أمر الأوقاف والأديرة برهن ممتلكاتها أو بيعها لإعانة المنكوبين، مؤمناً بأنّ الحفاظ على حياة البشر أسبق وأبدى من الحفاظ على الحجر والعقار.
ولم تكن رؤيته لبناء المجتمع معزولة عن إيمانه بالدور المحوري للمرأة. ففي زمنٍ كانت فيه فرص تعليم الفتيات محدودة وغائبة في كثير من القرى، طَرَح الحويّك رؤية متقدمة؛ فرأى في تعليم الفتاة مدخلاً أساسياً لبناء أسر متماسكة ومجتمع واعد، واعتبر أن المجتمع الذي يهمّش المرأة يفقد نصف طاقته. ولم تقف أفكاره عند حدود التنظير، بل ترجمها عملياً عام 1895 بتأسيس رهبانية “راهبات العائلة المقدسة المارونيات” بالتعاون مع الأم روزالي نصر، لتكون مؤسسة حية تنزل إلى القرى وتتولى تربية الفتيات وإسناد العائلات والفقراء. هذا الإحساس العالي بالمسؤولية الاجتماعية كان ينبع من روحانية قائمة على التجرد والزهد المطلق.

يذكر التاريخ أن البطريرك رحل عن هذه الدنيا خالي الجيب، بعدما أنفق كل ما يملك في خدمة المحتاجين ودعم المؤسسات التربوية والإغاثية، فلم يترك وراءه إرثاً مادياً يُذكر، بل ترك سيرة رجل كان يبكي تأثراً عند لقاء الفقراء ويسارع إلى نجدتهم بنفس متواضعة وعاطفة صادقة.
ولم يقتصر هذا العمل الاجتماعي على تقديم الإغاثة المباشرة وتأسيس المدارس، بل امتدّ أيضاً إلى إرساء معالم روحية واجتماعية جامعة تُشكّل مساحة تلاقٍ ورجاء للناس؛ فكان تشييد مزار “سيدة لبنان” في حريصا عام 1908، بالتعاون مع القاصد الرسولي المطران كارلوس دوفال وحضور ممثلي مختلف الطوائف بمناسبة الذكرى الخمسين لإعلان عقيدة الحبل بلا دنس، محطة بارزة في مسيرته.
لم يكن بناء حريصا بالنسبة للحويّك مجرّد مشروع معماري، بل أراده مقصداً مفتوحاً يجمع الفقير والغني من مختلف الانتماءات، ويمنح كل قاصدٍ راحةً للضمير ورجاءً وسط أزمات الحياة. وجاء تمثال السيدة العذراء في أعلى التلة، ببراعته الممدودة نحو الساحل والعاصمة، ليتوّج هذه الرؤية كرمزٍ دائم لحماية كرامة الإنسان ونشر السلام بين أبناء المجتمع.

ولعلّ أجمل ما يختصر هذه الروحانية الحية والتعلق الوجداني بالإنسان والأرض والانتماء للوطن، تلك الطلبة الصادقة التي صاغ كلماتها البطريرك الياس الحويّك بنفسه، والتي لَحّنها لاحقاً الأب بولس الأشقر الأنطوني لتتحول إلى نشيد يتردد في الوجدان. وإيماناً بهذه القيم الوطنية والروحية الجامعة، يشارك موقع “لبنان 24” القرّاء نصّ هذا الابتهال التاريخي، رجاءً لسلام لبنان وحماية أبنائه:
“يا مريمُ سلطانةَ الجبال والبحار، وملكةَ لبناننا العزيز الذي أوتيتِ مجدَه وشئتِ أن يكونَ لكِ رمزاً. يا عذراءُ ضارعتْ نقاوتُها ثلجَ لبنان،
وفاحَ عَرفُ طُهرِها كعَرفِ زهور لبنان،
وتسامت مرتفعة كالأرزِ في لبنان.
نسألكِ أن ترمقي بنظركِ الوالدي جميعَ بنيكِ،
وتبسطي يديكِ الطاهرتين وتباركيهم. آمين.”












اترك ردك