كتب المحامي اميل عون في “نداء الوطن”:
أولاً، التكييف القانوني لإنفجار مرفأ بيروت والحصانات الدستورية وإشكالية الملاحقة القضائية. يثير إنفجار مرفأ بيروت مسألة قانونية معقدة تتعلق بالتكييف القانوني للأفعال التي أدت إلى الكارثة. فهل نحن أمام مجرد خطأ إداري أو إهمال وظيفي، أم أمام جريمة جزائية قائمة على القصد الإحتمالي؟ ينص قانون العقوبات اللبناني على تجريم الإهمال الذي يؤدي إلى الوفاة أو الإيذاء، إلا أن حجم الكارثة وطبيعة المواد المخزنة لفترة طويلة، إضافة إلى تعدد التحذيرات الرسمية، دفع عدداً من الآراء إلى إعتبار أن المسألة تتجاوز مجرد الإهمال البسيط لتقترب من مفهوم القصد الاحتمالي، أي قبول إحتمال وقوع النتيجة الجرمية مع الإستمرار في السلوك المؤدي إليها. ويُقصد بالقصد الاحتمالي أن يكون الفاعل عالماً بإمكان وقوع النتيجة الجرمية وقابلاً بالمخاطرة الناتجة عنها، حتى وإن لم يكن قد أراد النتيجة بصورة مباشرة.
غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في تحديد مفهوم “الإخلال بالواجبات الوظيفية”، وهل يشمل الجرائم الجزائية العادية الناتجة عن الإهمال الجسيم أو الجرائم التي تؤدي إلى كوارث جماعية. وقد إنقسمت الآراء القانونية في لبنان بشكل عام إلى إتجاهين، الإتجاه الأول يرى أن أي فعل مرتبط بممارسة الوظيفة الوزارية يدخل ضمن إختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، حتى ولو شكّل جرماً جزائياً.
أما الاتجاه الثاني، فيرى أن الجرائم الجزائية العادية، وخاصة تلك التي تمس الحق بالحياة والسلامة العامة، تبقى من إختصاص القضاء العدلي العادي، لأن الحصانة لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإفلات من العقاب. ويبدو أن هذا الاتجاه الثاني ينسجم بصورة أكبر مع المبادئ الحديثة للعدالة الدستورية وحقوق الإنسان.
إضافةً إلى الحصانة الوزارية، أثيرت مسألة الحصانة النيابية لبعض المدعى عليهم، وتنص المادة 40 من الدستور اللبناني على عدم جواز إتخاذ إجراءات جزائية بحق النائب خلال دورات الإنعقاد إلا بإذن من المجلس النيابي، بإستثناءحالة الجرم المشهود (5). غير أن الإشكالية تكمن في ما إذا كانت الجرائم الكارثية التي تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله يمكن أن تخضع لحماية إجرائية تؤدي عملياً إلى تعطيل العدالة.
ثانياً، القضاء اللبناني بين الإستقلال والتعطيل. فقد برز دور المحقق العدلي في إنفجار مرفأ بيروت بإعتباره محوراً أساسياً في المعركة القانونية المتعلقة بالتحقيق، وقد إتخذ المحقق العدلي القاضي طارق البيطار قرارات جريئة تمثلت بإدعاءاته على مسؤولين سياسيين وأمنيين وقضائيين، الأمر الذي أدى إلى موجة واسعة من دعاوى الرد والمخاصمة وطلبات كف اليد.
وأظهرت بوضوح هذه التطورات مدى هشاشة النظام القضائي اللبناني أمام الضغوط السياسية والطائفية، فقد إستُخدمت عدة وسائل قانونية لتعطيل التحقيق، منها دعاوى الرد، دعاوى نقل الدعوى، مخاصمة الدولة والإمتناع عن تنفيذ مذكرات التوقيف، ورغم أن هذه الوسائل مشروعة من حيث المبدأ، إلا أن استخدامها بصورة متكررة ومنهجية أدى إلى شلل التحقيق لفترات طويلة.
وهنا يبرز التساؤل حول حدود استعمال الحقوق الإجرائية، وما إذا كان التعسف في إستخدامها يشكل إنتهاكاً لحق الضحايا في العدالة.
ثالثاً، الحصانات في ضوء المعايير الدولية بين النظرية الدستورية ومتطلبات العدالة الحديثة. فقد شهد الفكر القانوني الدولي تحولاً تدريجياً نحو تضييق نطاق الحصانات عندما يتعلق الأمر بإنتهاكات جسيمة أو كوارث كبرى تمس الحق بالحياة، ففي حين تبقى الحصانات الوظيفية مقبولة من حيث المبدأ لحماية إستقرار المؤسسات، إلا أن الإتجاه الدولي الحديث يرفض إستخدامها كوسيلة دائمة للإفلات من المساءلة.
يبدو أن إنفجار مرفأ بيروت أعاد طرح السؤال الأساسي التالي: هل يمكن للنظام الدستوري اللبناني أن يستمر في حماية المسؤول السياسي حتى في مواجهة كارثة وطنية بهذا الحجم؟ لقد كشف إنفجار مرفأ بيروت عن أزمة عميقة في البنية الدستورية والقضائية اللبنانية، تتجاوز حدود الملف الجزائي نفسه لتطال مفهوم الدولة وسيادة القانون، فقد أظهرت التجربة أن الحصانات، بصيغتها الحالية، يمكن أن تتحول إلى عائق فعلي أمام العدالة، خصوصاً عندما تترافق مع تعطيل المؤسسات المختصة بالمحاسبة، كما أبرزت الأحداث الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في مفهوم الحصانات الدستورية وتفعيل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أو تعديل آلياته، كما تعزيز إستقلال القضاء وضمان عدم إستخدام الوسائل الإجرائية بصورة تعسفية لتعطيل التحقيقات، فالعدالة في إنفجار مرفأ بيروت لم تعد قضية قضائية فحسب، بل أصبحت معياراً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على الإنتقال من منطق الحماية السياسية إلى منطق المساءلة القانونية.










اترك ردك