من البحر الأحمر إلى السوق اللبناني
لبنان، البلد الذي يستورد الجزء الأكبر من غذائه وسلعه، ليس بمنأى عن هذا الاهتزاز رغم أنه لا يقع على خط الملاحة المباشر. فحين تتجنب شركات الشحن الكبرى المرور عبر باب المندب وقناة السويس وتُفضّل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ترتفع مدة الرحلة البحرية وتكلفتها معاً. نقيب مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي أوضح أن رحلة السفن أصبحت أطول بما يتراوح بين 15 و20 يوماً إضافية، وأن كلفة الشحن نفسها قفزت بنسبة تراوحت بين 100% و150%، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار بعض المواد الغذائية المستوردة من شرق آسيا بزيادات تراوحت بين 5% و12%، فيما قد تصل الزيادة إلى 15% على السلع الخاضعة لرسوم جمركية مرتفعة.
هذه الأرقام ليست تفصيلاً عاديًا بعيداً عن حياة الناس؛ فلبنان يعتمد على الاستيراد البحري لتأمين نسبة كبيرة من حاجاته الغذائية والاستهلاكية عبر مرفأ بيروت، وأي ارتفاع في كلفة الشحن والتأمين البحري يُترجم عاجلاً أم آجلاً إلى غلاء في السوق المحلية، في اقتصاد أصلاً منهك بأزمة نقدية ممتدة منذ سنوات وبقدرة شرائية متآكلة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
تراجع الملاحة وأثره غير المباشر
على المستوى الأوسع، أفاد صندوق النقد الدولي، على لسان مديره الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى جهاد أزعور، بأن حركة الشحن عبر البحر الأحمر تراجعت بنسبة نحو 30%، محذراً من أن استمرار الاضطراب سيحدد مدى تغيّر أنماط التجارة الدولية من حيث الحجم والاستدامة. هذا التراجع لا يقتصر أثره على الدول المصدّرة أو المستوردة مباشرة عبر هذا الممر، بل يضغط على أسعار الطاقة والشحن عالمياً، ولبنان بلد يستورد كامل احتياجاته تقريباً من المشتقات النفطية، فأي ارتفاع في أسعار النفط العالمية يصل صداه سريعاً إلى محطات الوقود وفواتير الكهرباء وأسعار النقل الداخلي.
تأثير محدود لكنه غير معدوم
مع ذلك، يجدر التمييز بين “أزمة” و”حالة ترقب”. فبعض المستوردين اللبنانيين قالوا لـ”لبنان24″ إن الوضع حتى الآن لا يزال يمكن التحكم به، لأن جزءاً من واردات لبنان يأتي من مصادر ومسارات لا تعتمد كلياً على باب المندب، وأن الأثر الأكبر يطال تحديداً البضائع الآتية من شرق آسيا. بمعنى آخر، لبنان يتأثر بهذا الملف كطرف هامشي في معادلة عالمية أكبر منه، لا كطرف مباشر فيها، لكن هشاشة اقتصاده تجعل حتى التأثير “الهامشي” محسوساً أكثر مما هو عليه في اقتصادات أكثر مرونة.
في المحصلة، يبقى باب المندب تذكيراً بأن الأزمات الجيوسياسية البعيدة جغرافياً قريبة اقتصادياً من كل بلد يعتمد على الاستيراد والملاحة الدولية، ولبنان، الذي يخوض أصلاً معركته الخاصة مع الانهيار المالي، يجد نفسه مضطراً لمراقبة مضيق لا يملك فيه صوتاً ولا قراراً، لكنه يدفع جزءاً من ثمن اضطرابه في كل فاتورة استيراد.
باب المندب… كيف يصل اهتزاز مضيق بعيد إلى مائدة اللبناني؟

على بعد آلاف الكيلومترات من بيروت، يفصل مضيق باب المندب، الممر الضيق الواقع بين اليمن وجيبوتي، البحر الأحمر عن خليج عدن والمحيط الهندي. يمر عبره سنوياً جزء كبير من حركة النقل البحري بين آسيا وأوروبا، ويُقدَّر أن ما بين 6% و10% من تجارة النفط البحرية العالمية تعبر منه يومياً. منذ تصاعد استهداف جماعة “أنصار الله” الحوثية للسفن المرتبطة بإسرائيل ثم بدول أخرى، لم يعد هذا الممر مجرد خط على الخريطة، بل تحوّل إلى متغيّر يعيد رسم كلفة كل شيء تقريباً، من حاويات الإلكترونيات إلى أكياس الأرز.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0









اترك ردك