أظهرت دراسة أجراها باحثون في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية أن دواءً شائعاً لعلاج الصرع قد يساهم في إبطاء نمو نوع شديد الخطورة من أورام الدماغ لدى الأطفال، من خلال تعطيل الإشارات الكهربائية التي تستخدمها الخلايا السرطانية للتواصل مع الخلايا العصبية السليمة ودعم نموها.
ووجد الباحثون أن دواء «ليفيتيراسيتام»، المعروف تجارياً باسم «كيبرا»، أبطأ نمو ما يعرف بـ«الأورام الدبقية المنتشرة في الخط المتوسط»، وهي أورام عدوانية تنشأ في مناطق عميقة من الجهاز العصبي المركزي، من بينها جذع الدماغ والمهاد والحبل الشوكي.
ونشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Medicine، حيث أظهر تحليل للسجلات الطبية ارتباط استخدام «ليفيتيراسيتام» ببقاء أطول، في المتوسط، لدى الأطفال المصابين بهذه الأورام مقارنة بمن لم يتلقوا الدواء. إلا أن الباحثين أكدوا أن هذه النتائج لا تثبت أن الدواء هو السبب المباشر في إطالة البقاء، وأن الأمر يحتاج إلى تجارب سريرية مخصصة.
أورام نادرة وشديدة الخطورة
تصيب الأورام الدبقية المنتشرة في الخط المتوسط ما بين 300 و400 طفل سنوياً في الولايات المتحدة، فيما لا تتجاوز نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات نحو 1%، ما يجعلها من أصعب أنواع سرطانات الأطفال علاجاً.
وقالت الباحثة الرئيسية للدراسة، ميشيل مونجي، أستاذة طب الأورام العصبية للأطفال وعلم الأعصاب في ستانفورد، إن النتائج «مثيرة للغاية» بالنسبة إلى مرض لا تتوافر لعلاجه سوى خيارات محدودة.
كيف تستغل الأورام إشارات الدماغ؟
تستند الدراسة إلى مجال بحثي ناشئ يعرف باسم «علم الأعصاب السرطاني»، ويركز على الطريقة التي تستغل بها الخلايا السرطانية الإشارات الطبيعية للجهاز العصبي لتعزيز نمو الأورام وانتشارها.
وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن بعض أورام الدماغ لا تنمو بصورة مستقلة عن الخلايا العصبية، بل تنشئ معها وصلات تشبه نقاط الاتصال العصبي المعروفة باسم «المشابك»، ما يسمح للإشارات الكهربائية والكيميائية الصادرة عن الخلايا العصبية السليمة بتحفيز نشاط الخلايا السرطانية.
ومن بين هذه الاتصالات المشابك المرتبطة بالناقل العصبي «جابا»، والتي أظهرت الدراسات أنها تؤدي دوراً في تحفيز نمو الأورام الدبقية المنتشرة في الخط المتوسط، بما في ذلك الورم الدبقي الجسري المنتشر الذي يصيب جذع الدماغ لدى الأطفال.
دواء للصرع بآلية مختلفة
يُستخدم «ليفيتيراسيتام» بالفعل لدى بعض مرضى أورام الدماغ للسيطرة على النوبات الصرعية أو الوقاية منها، إذ تعمل آليته المعروفة على خفض النشاط العصبي الاستثاري الزائد، كما يتميز بقلة تفاعلاته مع العديد من الأدوية الأخرى.
لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن تأثير الدواء على الخلايا السرطانية قد يتجاوز آليته المعروفة في علاج الصرع.
تحليل بيانات 218 طفلاً
بدأ الباحثون بتحليل السجلات الطبية لـ218 طفلاً مصابين بأورام دبقية عالية الدرجة، تلقوا العلاج في مركزين طبيين أكاديميين، وشملت الدراسة أنواعاً مختلفة من الأورام العدوانية التي تنشأ من الخلايا الدبقية في الجهاز العصبي المركزي.
وعند تصنيف المرضى وفق موقع الورم ونوعه، وجد الباحثون أن استخدام «ليفيتيراسيتام» ارتبط بفترة بقاء أطول لدى الأطفال المصابين بالأورام الدبقية المنتشرة في الخط المتوسط.
لكن الارتباط نفسه لم يظهر لدى الأطفال الذين أصيبوا بأورام دبقية عالية الدرجة نشأت في نصفي الكرة المخية، ما دفع الباحثين إلى إجراء تجارب إضافية على نماذج تجريبية.
وفي تجارب على فئران زُرعت لديها أورام دبقية منتشرة في الخط المتوسط مأخوذة من مرضى بشريين، أدى العلاج بـ«ليفيتيراسيتام» إلى إبطاء نمو الخلايا السرطانية. في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه في نماذج لأورام دبقية عالية الدرجة في نصفي الكرة المخية، ومنها الورم الأرومي الدبقي.
تعطيل الاتصال بين الورم والخلايا العصبية
أظهرت التجارب أن «ليفيتيراسيتام» يعطل انتقال الإشارات الكهربائية من الخلايا العصبية المحيطة إلى الخلايا السرطانية عبر المشابك المرتبطة بـ«جابا»، ما يحرم الورم من أحد مصادر الإشارات التي تساعده على النمو.
وكانت هذه النتيجة لافتة للباحثين، لأن الدواء لا يعطل المشابك بالطريقة نفسها بين الخلايا العصبية السليمة.
وأوضحت مونجي أن اللافت في النتائج هو أن تأثير الدواء يبدو أكثر ارتباطاً بالخلايا السرطانية، وهو ما قد يفتح المجال أمام استهداف الورم مع الحفاظ على الوظائف الطبيعية للخلايا العصبية.
النتائج لا تعني اعتماد الدواء علاجاً للورم
ورغم النتائج المشجعة، لا يعني ذلك أن «ليفيتيراسيتام» أصبح علاجاً معتمداً لهذه الأورام، إذ استند جزء من الأدلة إلى تجارب على الحيوانات، بينما اعتمدت البيانات البشرية على تحليل استعادي للسجلات الطبية، وهو ما لا يمكنه إثبات أن الدواء كان السبب المباشر في زيادة فترة البقاء.
ويخطط الباحثون لإجراء تجربة سريرية لاختبار «ليفيتيراسيتام» مباشرة لدى مرضى الأورام الدبقية المنتشرة في الخط المتوسط، بهدف تقييم فاعليته وسلامته بصورة أكثر دقة.
وترى مونجي أن الدواء، في حال أثبتت التجارب المقبلة فعاليته، قد لا يكون كافياً بمفرده للقضاء على هذه الأورام العدوانية، لكنه قد يصبح جزءاً من استراتيجية علاجية تجمع بين أكثر من وسيلة لإبطاء نمو السرطان ومنح العلاجات الأخرى فرصة أكبر للعمل.
ويواصل الباحثون في الوقت نفسه اختبار علاجات أخرى، من بينها علاجات تعتمد على خلايا مناعية معدلة وراثياً من نوع «كار-تي»، لدى الأطفال المصابين بالورم الدبقي الجسري المنتشر وغيره من أورام الخط المتوسط.












اترك ردك