بعد “علي الطاهر”: إلى أين؟

كتب طوني عيسى في” الجمهورية”: ستكون سيطرة إسرائيل العملياتية «فوق الأرض وتحتها » على سلسلة مرتفعات علي الطاهر نقطة تحول مفصلية في مسار المواجهة الميدانية على جبهة الجنوب، لأنّ هذه المرتفعات كانت تمثل رمزاً استراتيجياً متقدّماً ل «حزب الله »، وحلقة وصل حيويةتشرف جغرافياً ونارياً على مدينة النبطية ومحيطها، وصولاً إلى أطراف إقليم التفاح. وهي تضمّ شبكة معقّدة من الأنفاق المتطورة، ومراكز القيادة تحت الأرض، ومستودعات الذخيرة، إضافة إلى غرف عمليات ومرافق إقامة ومولدات كهربائية مجهزة للاستمرار تحت الحصار لفترات طويلة.

اللافت هو أنّ هذا التطور الميداني لم ينتج من مواجهة كلاسيكية مباغتة أو اجتياح واسع النطاق كما كان يرجح كثيرون، بل جرى تظهيره بأسلوب «الإنضاج على نار هادئة » واعتماد تكتيك الخنق التدريجي المتمهل.
عملياً، مع سقوط المرتفعات ستسقط أيضاً مقولة «الردع بالتهديد »، ما سيضع طهران أمام واقع محرج يجرّ عليها انتقادات واسعة داخل المشهد الشيعي في لبنان. وأساساً، طهران متهمة في لبنان بانتهاك مبدأ السيادة الوطنية لمجرد أنّها أعلنت استعدادها للردّ على إسقاط علي الطاهر. وليس سراً أنّ هذا الاتهام قد يفتح الباب أمام مطالبات رسمية وقانونية بمقاضاة النظام الإيراني على طبيعة وجوده العسكري المباشر في لبنان، وما ترتب عليه من كوارث ميدانية وسياسية يدفع اللبنانيون أثمانها باهظة.
وفي المقابل، يُقرأ صمت «حزب الله » وامتناعه عن توسيع رقعة المعركة كما كان يُخشى، مستخدماً قواعده الخلفية في إقليم التفاح وجبل الريحان، باعتباره خياراً اضطرارياً ينطوي على عقلانية معينة. فاستخدام جبال الإقليم والريحان في محاولة الدفاع عن علي الطاهر كان سينتهي بخسارة حتمية لهذه التلة، وفوق ذلك سيمنح إسرائيل ذريعة تنتظرها وغطاء ميدانياً كاملاًلتوسيع نطاق الاجتياح البري نحو تلك المرتفعات الجبلية البالغة الأهمية. فهذا السيناريو، في حال تحققه، كان سيفضي حكماً إلى فرض واقع احتلال شبه كلي لمجمل الجغرافيا الشيعية في محافظتي الجنوب والنبطية، مع ما يرافق ذلك من تهجير ديموغرافي وكارثة كبرى على النسيج المجتمعي اللبناني بأكمله.

كما ستكون هناك تداعيات خطرة لتوسع «المنطقة الصفراء » الإسرائيلية، التي باتت تلامس النبطية، في ظل عملية الفصل الجارية بين القرى الجنوبية ومحيطها. ومن ذلك أنّها ستؤدي إلى إضعاف الموقف اللبناني التفاوضي في جولات روما المرتقبة منتصف أيلول. وتتوزع التداعيات على ثلاثة مستويات أساسية.فعسكرياً، خسر «الحزب » أبرز نقاط تحكمه وإشرافه المباشر على الحدود، ما قد يدفعه كلياً نحو تكتيكات حرب العصابات اللامركزية عبر الخلايا الصغيرة والكمائن. وجغرافياً، تتكرّس السيطرة النارية الإسرائيلية على كفررمان وسهل الميدنة وسائر القرى المجاورة للنبطية، وعلى شرايين الحركة الأساسية بين هذه القرى. وأما سياسياً، فستستغل إسرائيل هذا التوسع الميداني لفرض واقع أمني جديد يعزز موقفها التفاوضي، قبل الدخول في أي ترتيبات نهائية تتصل ببرامج الانسحاب أو انتشار الجيش أو أي قوات دولية تخلف «اليونيفيل .»ووسط هذا كله، يبقى السؤال مطروحاً على «حزب الله :» هل هو مرتاح للسيطرة الإسرائيلية على الجنوب، قطعة تلو قطعة، فيما كان قادراً على تجنّب هذه الكأس المرّة وحماية الأرض والسيادة والكرامة، بتسليم السلاحوالقرار إلى الجيش والدولة؟