بهذه الطريقة يحاول باسيل استعادة ما خسره مسيحياً

يبدو أنّ رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل قرّر إعادة ترتيب معركته السياسية داخل الساحة المسيحية، مستفيداً من ملفين يعرف جيداً مدى حساسيتهما لدى الرأي العام: الكهرباء من جهة، وسلاح “حزب الله” من جهة أخرى.

ففي ملف الكهرباء، لم يجد باسيل في المرحلة الراهنة مادة سياسية أكثر قابلية للاستخدام في مواجهة “القوات اللبنانية” من هذا الملف الذي يعرف تفاصيله جيداً، بعدما أمضى وزراء “التيار” سنوات في وزارة الطاقة، وتحولت وعود تأمين الكهرباء 24 ساعة إلى واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الذاكرة السياسية اللبنانية. وفي المقابل، باتت “القوات” اليوم في موقع المسؤولية عن وزارة الطاقة، الأمر الذي أعاد فتح باب السجال القديم ـ الجديد بين الطرفين.

ولم يكتفِ باسيل بانتقاد أداء الوزارة، بل يذهب إلى مهاجمة ما سمّاه “خطة القوات للكهرباء”، معتبراً أنّ الوصول إلى صفر ساعة تغذية، بالتوازي مع ارتفاع الفواتير، يستوجب مساءلة المسؤولين عن إدارة القطاع. ووقبل يومين عاد إلى الملف نفسه تحت عنوان “شو قلتوا وشو عملتوا”، مستعيداً وعود تأمين الكهرباء 24/24 ومحمّلاً الحكومة ووزارة الطاقة مسؤولية ما آلت إليه أوضاع القطاع.
لكن المسألة، في بعدها السياسي، تتجاوز الكهرباء نفسها. فباسيل يعرف أنّ هذا الملف لا يُقرأ فقط من زاوية ساعات التغذية والفواتير والمعامل، بل يمكن أن يتحول إلى مدخل لمواجهة “القوات» في إحدى أكثر الساحات حساسية: الساحة المسيحية. ذلك أنّ الصراع بين “التيار” و”القوات” لم يعد مجرد خلاف على إدارة وزارة أو على خطة كهربائية، بل هو صراع على تمثيل الشارع المسيحي وعلى من يستطيع تقديم نفسه باعتباره الأقدر على حماية مصالح المسيحيين والدفاع عن الدولة.
وهنا يُستحضر الملف الثاني، وهو ملف “حزب الله”.
ففي الأشهر الأخيرة، بدأ باسيل يرفع سقف خطابه تجاه “الحزب” بصورة أوضح، متحدثاً عن “غضب” من أدائه، ومؤكداً في أكثر من مناسبة أنّ لبنان لا يمكن أن يكون تحت وصاية أو احتلال، وأن الحل يكون من خلال استراتيجية أمن قومي تضعها الدولة بما يتناسب مع مصالح لبنان. وفي زحلة، قال بوضوح إن “غضبنا من الحزب كبير”، وسأل عن كيفية تعاطي الحكومة مع وجوده داخلها.
وهذه اللهجة ليست تفصيلاً عابراً في الحسابات المسيحية. فباسيل يدرك أنّ العلاقة مع “حزب الله” كانت، ولا تزال، واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل حول “التيار الوطني الحر” داخل البيئة المسيحية. ولذلك فإن الانتقال من موقع الحليف السياسي إلى موقع يرفع الصوت في وجه الحزب، ولو من دون القطيعة الكاملة معه، يتيح لباسيل إعادة تقديم نفسه أمام شريحة من المسيحيين من زاوية مختلفة.
بمعنى آخر، يحاول باسيل أن يقول للشارع المسيحي إنّ “التيار” لم يعد أسير الصورة القديمة التي رافقت تفاهمه مع “حزب الله”، وإنه قادر على الاعتراض على الحزب عندما يرى أنّ مصلحة لبنان تقتضي ذلك.
وفي المقابل، فإن التصويب على “القوات” في الكهرباء يهدف، بحسب قراءة سياسية متداولة، إلى منعها من الاستفادة وحدها من التحولات التي شهدتها البيئة المسيحية في السنوات الأخيرة، ولا سيما في ملف حصرية السلاح وقيام الدولة ومؤسساتها. وهنا تكمن المفارقة.
فإذا كان باسيل يريد استعادة جزء من الرصيد المسيحي الذي خسره، فإن معركته لا تبدو مع “القوات” وحدها، ولا مع “حزب الله” وحده، بل مع الصورة السياسية التي تراكمت حول “التيار” خلال السنوات الماضية.
ومن هنا يمكن فهم ازدواجية خطابه الحالي: مهاجمة “القوات” في ملف الكهرباء، ورفع الصوت في وجه “حزب الله” في ملف السلاح والسيادة.
الأولى تستهدف منافساً مسيحياً مباشراً، والثانية تستهدف الصورة التي لطالما استخدمها خصوم باسيل ضده في الشارع المسيحي.
لكن يبقى السؤال: هل تكفي هذه المعادلة لاستعادة ما خسره “التيار” مسيحياً؟
الجواب لن تحدده المواقف وحدها، ولا البيانات ولا الفيديوهات ولا السجالات الإعلامية. فالشارع المسيحي، كما بقية اللبنانيين، بات ينظر أكثر إلى النتائج: من يحمي الدولة، من يملك مشروعاً واضحاً للكهرباء، من يقف فعلياً مع حصرية السلاح، ومن يستطيع الانتقال من المعارضة الكلامية إلى ممارسة سياسية مختلفة؟
وعندها فقط سيتضح ما إذا كان باسيل يخوض معركة سياسية عابرة، أم أنه بدأ فعلاً محاولة إعادة بناء صورته داخل البيئة المسيحية على أساس معادلة جديدة: لا خصومة مجانية مع “حزب الله”، ولا ترك الساحة المسيحية لـ “القوات” من دون مواجهة. وقد تكون الساحة الأقرب ما ستشهده الانتخابات الطالبية في الجامعات من نتائج، وما ستفرزه من معادلات لم تكن في السنوات الماضية لمصلحة “التيار”.