في أيلول الأسود، واجه الأردن أزمة سيادية وأمنية كبرى، بعدما تصاعد الصدام بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية المسلحة. وكانت المواجهة الدامية تذكيرًا مبكرًا بكلفة تعدّد مراكز القوة والقرار داخل الدولة، وبأن أي خلل في مرجعية السلاح قد يدفع المجتمع بأسره إلى مواجهة لا يريدها ولا يستطيع تحمل نتائجها. ولم تنتهِ تلك المرحلة بانتهاء المعارك؛ إذ بقيت تداعياتها حاضرة في الذاكرة الأردنية والفلسطينية، وانتقلت أجزاء من تعقيداتها إلى لبنان.
واليوم، تعيد مجزرة الكرك طرح سؤال الأمن الوطني من زاوية أخرى. فاستهداف مصلّين داخل كنيسة لا يهدد حياة الضحايا وعائلاتهم فحسب، بل يستهدف أيضًا الثقة التي يقوم عليها المجتمع الأردني، حيث يشكّل التعايش الإسلامي ـ المسيحي جزءًا من هويته الوطنية. وأي محاولة لتحويل الدين إلى ذريعة للقتل أو لإثارة الانقسام تمسّ الأردن كله، لا طائفة بعينها.
لكن الفارق الحاسم في مواجهة مثل هذه الأخطار يظهر في كيفية تعامل الدولة معها، وفي وضوح القرار السياسي الذي يقف خلف أجهزتها الأمنية. وهنا برز موقف الملك عبد الله الثاني سريعًا وحازمًا، إذ أكد أن دم الأردنيين ليس موضع تساهل، وأن أمنهم وسلامتهم خط أحمر، متوعدًا بملاحقة المسؤولين عن الهجوم وإنزال أشد العقوبات بهم.وقد تم القاء القبض عليهم في سرعة قياسة
ولم يتوقف الموقف الملكي عند الإدانة. ففي 24 تشرين الأول، ترأس الملك اجتماعًا لمجلس الأمن القومي، ووجّه الأجهزة المعنية إلى الرد بحزم والضرب بيد من حديد على كل من يستهدف وحدة الأردنيين، كما شدد على ضرورة ملاحقة من يؤيد الجريمة أو يبررها، ضمن أحكام القانون. ودعا إلى تقييم أمني شامل، وتعزيز الجاهزية لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة التي قد تستغل المأساة لإثارة الخوف والفتنة.
هذا هو الحزم الملكي في معناه السيادي، وهو ألا تكتفي الدولة بالتعزية بعد سقوط الضحايا، وألا تسمح للمجرمين بأن يفرضوا إيقاعهم على المجتمع، وألا تترك فراغًا أمنيًا أو سياسيًا يمكن أن تتسلل منه الفتنة. فالمطلوب ليس مجرد رد فعل على جريمة وقعت، بل تحويل المواجهة إلى سياسة وقائية تحمي الناس، وتلاحق المسؤولين، وتمنع إعادة إنتاج الظروف التي تسمح للعنف بالتمدد.
والحزم، في المقابل، لا يعني الخروج على القانون أو توسيع دائرة الاتهام. بل إن قوة الدولة تظهر تحديدًا عندما تجمع بين صرامة الملاحقة وعدالة المحاسبة، وبين حماية المجتمع واحترام حقوق أفراده. لذلك تكتسب الدعوة الملكية إلى إطلاع المواطنين على مسار التحقيق أهمية خاصة؛ فالحقيقة الموثقة تقطع الطريق على الشائعات، والعدالة تمنع الانتقام الجماعي، والشفافية تحصّن الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
بين أيلول الأسود ومجزرة الكرك، تبدو العبرة واضحة، إذ لا يجوز ترك الأخطار تتراكم حتى تتحول إلى انفجار، ولا يجوز السماح لأي جهة، مهما كانت هويتها أو شعاراتها، بأن تضع أمن الدولة ووحدة المجتمع تحت رحمة السلاح أو الفكر المتطرف. فالدولة التي تحمي جميع مواطنيها بالتساوي هي وحدها القادرة على قطع الطريق على الفتنة.
والأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته، يواجه اليوم اختبارًا يتطلب الحزم الأمني، واليقظة السياسية، والتمسك بوحدة المجتمع. فالرد على مجزرة الكرك لا يكتمل بملاحقة منفذيها فحسب، بل يتطلب أيضًا كشف الحقيقة كاملة، وتجفيف منابع التطرف، وحماية دور العبادة، ومنع أي محاولة لاستغلال الدماء في صراع داخلي.
أيلول الأسود جرح من تاريخ الأردن، ومجزرة الكرك جريمة تستوجب العدالة. وبينهما يقف مبدأ لا يحتمل الالتباس، وهو أن لا دولة قوية مع تعدّد مرجعيات القوة، ولا استقرار مع التساهل مع الإرهاب، ولا وحدة وطنية إذا شعر أي مواطن بأن حياته أو كرامته أقل حماية من حياة الآخرين.
الحزم الملكي ليس مجرد موقف في لحظة غضب؛ إنه رسالة بأن أمن الأردن خط أحمر، وأن وحدة الأردنيين ليست ورقة للمساومة، وأن يد الدولة ستبقى حاضرة لدرء الأخطار قبل أن تتحول إلى مآسٍ جديدة.
بين أيلول الأسود ومجزرة الكرك… الارادة الملكية خط الدفاع الأول عن الأردن

ليس من السهل وضع أيلول الأسود عام 1970 ومجزرة الكرك في تشرين الأول 2026 في سياق واحد، فالفارق كبير بين صراع سياسي وعسكري هزّ الأردن، وهجوم مسلح استهدف مدنيين خلال مراسم جنائزية داخل كنيسة. لكن المحطتين تلتقيان عند حقيقة أساسية، وهي أن أمن الدولة ليس تفصيلًا قابلًا للمساومة، وحماية المواطنين ليست خيارًا سياسيًا، بل مسؤولية لا تحتمل التردد.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0









اترك ردك