وبحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن الزيارة عكست توجهاً سورياً واضحاً لإعادة فتح العلاقة مع لبنان من بوابة الدولة ومؤسساتها الدستورية، في أول إشارة عملية إلى أن دمشق اختارت هذه المرة أن تدخل إلى لبنان عبر المؤسسات الرسمية، وليس عبر القنوات التي طبعت العلاقة بين البلدين في مراحل سابقة. وترى المصادر أن دمشق تسعى اليوم إلى تثبيت علاقة مباشرة مع الدولة اللبنانية، انطلاقاً من إدراكها أن المرحلة المقبلة تفرض تعاوناً رسمياً بين الحكومتين في الملفات المشتركة، بما يؤسس لمرحلة مختلفة في إدارة العلاقة بين البلدين.
وتشير المصادر الى أن هذا التحول لا يمكن فصله عن المتغيرات الإقليمية المتسارعة، إذ تدرك دمشق أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة تخص لبنان ستكون لها انعكاسات مباشرة على سوريا، سواء لجهة أمن الحدود، أو الاستقرار الداخلي، أو طبيعة التوازنات التي ستنشأ في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو حريصة على أن تكون شريكاً في أي مسار يتعلق بالملف اللبناني، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار البلدين بات جزءاً من معادلة إقليمية واحدة.
وفي هذا السياق، ترى المصادر أن الزيارة حملت أيضاً رسالة غير مباشرة إلى الداخل اللبناني، بعدما سبقتها خلال الأشهر الماضية تحليلات وتقديرات سياسية ذهبت إلى حد الحديث عن إمكان إسناد أدوار إلى دمشق في بعض الملفات اللبنانية، ولا سيما ما يتعلق بـ”حزب الله”، في إطار الترتيبات الإقليمية التي يجري التداول بها. إلا أن الطريقة التي أُديرت بها الزيارة، وطبيعة اللقاءات التي عقدها الشيباني، لا تؤشر، وفق المصادر، إلى أن سوريا جاءت لتولي أدوار داخلية أو لتنفيذ أجندات خارجية، بل إلى تثبيت موقعها كطرف معني بالاستقرار الإقليمي، وليس كبديل عن الدولة اللبنانية أو طرف في توازناتها الداخلية.
وفي مقابل الرسائل التي حملتها الزيارة، برزت في الداخل اللبناني محاولات لإضفاء أبعاد سياسية على بعض اللقاءات التي عقدها الشيباني، ولا سيما اجتماعه برئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع. إلا أن المصادر اعتبرت أن المبالغة في تفسير هذا اللقاء تتجاهل طبيعة الزيارة وأهدافها الأساسية، إذ إن شمول الجولة مختلف المرجعيات والقوى السياسية يندرج في إطار مقاربة سياسية شاملة، وليس في سياق إعادة رسم التحالفات أو تبني تموضعات داخلية جديدة. وبحسب المصادر، فإن تحميل لقاء معراب دلالات استثنائية لا يعكس حقيقة المسار الذي أرادت دمشق تكريسه، ولا يؤشر إلى أي اصطفاف سياسي أو شراكة خاصة مع أي فريق لبناني على حساب آخر.
وإذا كان اللقاء نفسه لا يحمل، بحسب المصادر، دلالات تتجاوز إطاره البروتوكولي، فإن التصريح الذي أدلى به جعجع عقب الاجتماع، بدعوته القيادة السورية إلى مساعدة اللبنانيين على “التخلص من النفوذ الإيراني” أعاد طرح علامات استفهام حول طبيعة الخطاب الذي يرفعه. وترى المصادر أن هذا الموقف أسقط، مرة جديدة، خطاب السيادة الذي يقدّمه جعجع، لأن الاستعانة بدولة خارجية للتأثير في موازين القوى اللبنانية لا تختلف في جوهرها عن أي شكل آخر من أشكال الاستقواء بالخارج، مهما تبدلت هوية الطرف الخارجي. وتضيف المصادر أن هذا الطرح لا يعكس تناقضاً سياسياً وحسب، بل يتعامل بخفة مع طبيعة الصراع في المنطقة، إذ إن موازين القوى في لبنان لم تكن يوماً نتاج رغبات هذا الفريق أو ذاك، بل هي امتداد مباشر لمعادلات إقليمية تتبدل بتبدل الوقائع، وليس بالشعارات أو الأمنيات السياسية.
ولعل من أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة أيضاً ما تعلق بموقف الشيباني من “حزب الله”، إذ أكد أن التواصل مع “الحزب” يبقى ممكناً إذا اقتضت المصلحة، مع إشارته إلى أن هذا الملف لم يكن مطروحاً خلال لقاءاته الرسمية في بيروت. وبحسب المصادر، فإن هذا الموقف شكّل أول إشارة سورية إلى أن العلاقة مع “الحزب” ليست مقفلة، وأوحى بأن التواصل يبقى احتمالاً قائماً متى فرضته المصالح والظروف السياسية.
وتلفت المصادر إلى أن هذه الإشارة تكتسب أهمية إضافية إذا ما قورنت ببعض المواقف التي صدرت أخيراً عن مسؤولين في “حزب الله” والتي أوحت بدورها في الفترة الفائتة بأن باب العلاقة مع دمشق ليس موصداً، وأن الطرفين يتركان مساحة لإعادة بناء التواصل عندما تنضج ظروفه السياسية. وبحسب المصادر، فإن هذا المناخ لا يعني بالضرورة عودة سريعة للعلاقة بين الجانبين، لكنه يؤشر إلى وجود إرادة متبادلة بعدم إبقاء القطيعة خياراً دائماً، وترك الباب مفتوحاً أمام إعادة بناء قنوات التواصل عندما تفرضها الوقائع السياسية.
ومن هنا، ترى المصادر أن المرحلة الراهنة تستوجب مقاربة واقعية من جميع الأطراف، وفي مقدمها “حزب الله”، عبر التعامل مع الانفتاح السوري بوصفه فرصة تستحق البناء عليها. فالمنطقة تقف أمام تحولات كبرى، فيما تتسع رقعة الضغوط الإسرائيلية وتتداخل الملفات الأمنية بين أكثر من ساحة، الأمر الذي يجعل من قنوات التواصل والتنسيق مع دمشق عاملاً يصعب تجاهله في أي قراءة للمشهد المقبل.
ولا تنطلق هذه المقاربة من اعتبارات سياسية ضيقة، بل من طبيعة التحديات التي تواجه البلدين. فإسرائيل لا تتعامل مع لبنان وسوريا باعتبارهما ملفين منفصلين، بل تنظر إليهما ضمن بيئة استراتيجية واحدة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية والأمنية والسياسية. وفي المقابل، تبدو الحاجة إلى تنسيق رسمي وسياسي بين بيروت ودمشق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، سواء في ملفات الحدود، أو الأمن، أو مواجهة التداعيات الإقليمية المتسارعة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يصعب النظر إلى زيارة الشيباني باعتبارها مجرد بداية لمسار دبلوماسي جديد، بل تبدو مؤشراً إلى مرحلة مختلفة في العلاقات اللبنانية ـ السورية، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمات إلى محاولة بناء قواعد تعاون جديدة تفرضها الجغرافيا قبل السياسة، وتفرضها تحديات الحاضر أكثر مما تستدعيها حسابات الماضي.












اترك ردك