في الجانب الأول من هذه الأزمة، يبدو المشهد الإعلامي اللبناني وكأنه يسدد فاتورة الانهيار الذي أصاب البلاد كلها. فمن ناحية أولى تعيش السوق الإعلامية “أزمة عميقة” تهدد استقرار المهنة نفسها، فيما يشهد القطاع الإعلامي اللبناني تراجعاً حاداً في الاستدامة المالية، وانخفاضاً في الأجور، وغياباً للأمان الوظيفي.
هذه الهجرة المهنية ليست مجرد تفصيل عابر، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في واقع المهنة. فالصحافي اللبناني، الذي كان يعمل سابقاً ضمن مؤسسة محلية توفر له حضوراً مهنياً وحماية نسبية، بات مضطراً للبحث عن مظلة مالية خارجية فقط ليضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
أما الجانب الثاني من الأزمة، فهو الأكثر خطورة وقسوة، لأنه يمس السلامة الجسدية مباشرة. فمنذ اتساع رقعة الحرب إلى لبنان، لم تعد التغطية الميدانية مجرد عمل شاق، بل أصبحت مهمة محفوفة باحتمال الموت.
ومن احدث الأمثلة الصادمة ما وثقته لجنة حماية الصحافيين حول إصابة طاقم “روسيا اليوم” في جنوب لبنان، بعد سقوط غارة قرب المراسل ستيف سويني والمصور علي رضا خلال عملهما الميداني. كما تم قُتل قبل أيام الصحافي محمد شري من قناة “المنار” في غارة استهدفت مبنى سكنياً في بيروت.
هذا المشهد يضع الصحافي اللبناني أمام معادلة بالغة القسوة. ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن ينشغل بالسبق الصحافي، وبالدقة، وبالوصول إلى المعلومة. أما اليوم، فهو يفكر أولاً في راتبه وما إذا كان سيقبضه، ثم في قدرته على الاستمرار، ثم في حياته إن اضطر إلى النزول إلى الميدان. والأخطر من ذلك أن هذه الازدواجية لا تهدد الصحافيين وحدهم، بل تصيب وظيفة الصحافة نفسها في لبنان.
المصدر:
خاص لبنان 24











اترك ردك