في الواقع، لا يُمكن لبري أن يكون بعيداً عن عون، والعكس صحيح، فالمصلحة الوطنية في ظل الهجمة الإسرائيلية على لبنان تستوجب تكاتفاً سياسياً وتنسيقاً رفيع المستوى بين مختلف المؤسسات الدستورية، ولا سيما في ظل المرحلة الدقيقة التي يمر بها البلد.
ويبدو أن لقاء أمس ساهم في تخفيف حدة التوتر السياسي الذي ساد في الآونة الأخيرة، فيما يمكن قراءة زيارة بري إلى قصر بعبدا على أنها رسالة سياسية تؤكد أن قنوات التواصل مع رئاسة الجمهورية ما زالت مفتوحة، وأن إدارة المرحلة الحالية تستوجب استمرار التنسيق بين مختلف القوى السياسية، بعيداً عن منطق القطيعة.
فعلياً، يبدو أن بري يتعامل مع المرحلة من بوابة الدولة ورئيس الجمهورية، في ظل اقتناع متزايد لدى مختلف الأطراف بأن المسار الدبلوماسي الذي تقوده الدولة اللبنانية لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، إلى جانب الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد العسكري، يشكل المسار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية. ومن هذا المنطلق، لا يبدو أن رئيس المجلس النيابي سيكون بعيداً عن هذا المسار، خصوصاً أنه معني بصورة مباشرة بما يجري في الجنوب، فيما إن أي مسار لا يعزز دور الدولة سيبقي البلاد في دائرة التوتر وعدم الاستقرار.
وخلال الفترة الأخيرة، صدرت عن بري إشارات إيجابية في اتجاه أكثر من جهة، سواء تجاه سوريا أو السعودية، وصولاً إلى إعادة تفعيل التواصل مع رئيس الجمهورية. وفي الوقت نفسه، توحي المؤشرات بأن بري يسعى إلى استثمار هذه المرحلة لتخفيف حدة التوتر في الجنوب وتعزيز دور الجيش، في وقت يبدو فيه التوافق مع رئيس الجمهورية بشأن دعم المؤسسة العسكرية ثابتاً.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار زيارة بري إلى بعبدا مؤشراً إلى رغبة في تعزيز الغطاء السياسي للدولة ولمؤسساتها، ولا سيما الجيش، في ظل استمرار تنفيذ الإجراءات المرتبطة بالوضع في جنوب لبنان. كذلك، تعكس الزيارة حرصاً على عدم ترك المجال أمام أي انقسامات داخلية قد تنعكس سلباً على عمل المؤسسة العسكرية أو على إدارة المرحلة الحالية.
على هذا الأساس، أُعيد وصل خط اللقاء بين بري وعون، إلا أن هذا التطور لا يعني بالضرورة انتهاء التعقيدات السياسية أو الأمنية، إذ يبقى الرهان على ما ستفرضه تطورات الميدان في ظل التوترات المتصاعدة والضربات الإسرائيلية المستمرة. فهل يشكل هذا التقارب بداية مرحلة جديدة من إدارة الاستحقاقات الداخلية، أم أن تطورات الميدان ستعيد خلط الأوراق من جديد؟










اترك ردك