صحيح أنّ الحديث عن مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بات جزءًا من المشهد السياسي والدبلوماسي المحيط بالحرب، لكنّ الواضح أيضًا أنّ هذا المسار لم ينضج بعد، ليس بالضرورة بسبب تعقيداته التقنية أو حساسيته السياسية. فالمشهد لم يعد يقتصر على فكرة التفاوض تحت النار التي ألفها اللبنانيون في محطات سابقة، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تُستخدم فيها طاولة الحوار نفسها أداة ضغط إضافية لانتزاع تنازلات مسبقة قبل الجلوس الفعلي إليها.
هذا الواقع يضع بيروت في حالة انتظار قلِق لجواب إسرائيلي لا يبدو أنّه سيصل قريبًا، ما دامت تل أبيب ترى في إطالة أمد الانتظار وسيلة لإنضاج ظروف سياسية وميدانية معيّنة. فهي لا تتعامل مع التفاوض بوصفه مدخلًا لوقف الحرب، بل بوصفه نتيجة يُفترض أن تأتي بعد تعديل موازين القوى. وهنا تحديدًا، يبدو المسار التفاوضي أقرب إلى محاولة لتثبيت ما تفرضه الحرب على الأرض وتحويله إلى مكاسب دائمة، منه إلى كونه بابًا لتسوية متوازنة.
لماذا تؤجَّل المفاوضات؟
ليس من الصعب ملاحظة أنّ التسريبات المتعلقة بالمفاوضات تزامنت مع تصعيد عسكري واسع في الجنوب والضاحية وسائر المناطق، ومع خطاب إسرائيلي يوحي بأنّ المعركة مع لبنان لم تصل بعد إلى النقطة التي تستدعي الانتقال الجدي إلى الطاولة. وهذا ما يفسّر التناقض الظاهر بين الحديث عن اتصالات وتحضيرات ووساطات، وبين نفي مسؤولين إسرائيليين وجود مفاوضات فعلية أو التقليل من أهميتها، وحديث بعض وسائل الإعلام عن معركة “طويلة” تُقاس بالأشهر.
ويقول العارفون إنّ هذا التناقض ليس عبثيًا، بل يعكس قرارًا إسرائيليًا بعدم الانتقال السياسي الحاسم بعد، لأنّ تل أبيب ترى أنّ الحرب ما زالت قادرة على تحسين شروطها، سواء عبر المزيد من الضغط العسكري، أو عبر دفع الداخل اللبناني إلى الاقتناع بأن لا مفرّ من تقديم تنازلات مؤلمة تحت وطأة النار. وعليه، لم تعد الإشكالية تكمن في غياب الوسطاء أو تعثّر اللقاءات، بقدر ما تكمن في طبيعة الشروط التي يُراد تكريسها قبل فتح أي باب جدي للحوار.
بهذا المعنى، لا يبدو تأجيل المفاوضات تفصيلًا إجرائيًا أو نتيجة مباشرة لتعقيدات لوجستية، بل جزءًا من إدارة الحرب نفسها. فكلما طال أمد الضغط، ارتفع سقف الشروط، وتراجع هامش المناورة لدى الطرف اللبناني. ومن هنا، يصبح وقف إطلاق النار، في المنظور الإسرائيلي، نتيجة لمسار ضغط طويل، لا خطوة تمهيدية تفتح الطريق أمام التفاوض.
كيف يُنقل الضغط من الجبهة إلى الدولة اللبنانية؟
استنادًا إلى ما تقدّم، لا تبدو التقارير التي تتحدث عن شروط إسرائيلية لما بعد الحرب، من قبيل المنطقة العازلة أو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، مجرّد أفكار عابرة. فكل المؤشرات توحي بأنّ إسرائيل لا تريد تفاوضًا سريعًا يوقف الاشتباك فحسب، بل تفاوضًا يؤسّس لمرحلة جديدة في الجنوب، وربما في علاقة الدولة اللبنانية نفسها بملف السلاح ودور “حزب الله”، أي إنّها تريد من الطاولة أن تكون أداة تثبيت لنتائج الحرب، لا وسيلة لتجميدها.
ومن هنا، يمكن فهم لماذا تبدو بيروت في موقع المنتظر، فيما تتحرك العواصم الوسيطة أكثر مما يتحرك الطرفان المباشران. فلبنان يريد أن يعرف إن كان هناك فعلًا استعداد إسرائيلي لوقف مؤقت لإطلاق النار يتيح الشروع في التفاوض، بينما تتصرف إسرائيل على قاعدة معاكسة تقريبًا، عنوانها أنّ “الكرة في ملعب لبنان”، وقوامها أنّ على الدولة اللبنانية أن تبرهن أولًا قدرتها على تنفيذ ما التزمت به في ملف ضبط السلاح ومنع الخروقات.
هكذا، وبدل أن تُمارَس الضغوط على إسرائيل لوقف إطلاق النار، يبدو لبنان مرة أخرى أمام ضغط مزدوج: ضغط الحرب المستمرة، وضغط الأسئلة الدولية والإقليمية حول ما إذا كانت الدولة قادرة فعلًا على الإمساك بالقرار الأمني والعسكري. ولا يقتصر أثر هذا الضغط على إحراج السلطة اللبنانية سياسيًا، بل يتعداه إلى وضعها في موقع العاجز أو غير الراغب في تحمّل مسؤولياته، بما يوفّر غطاءً لاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بذريعة غياب الشريك القادر.
من يفاوض باسم لبنان.. وبأي تفويض؟
هنا تحديدًا يصطدم الخارج بالداخل. فالدولة اللبنانية قد تبدي استعدادًا للمفاوضات، وقد تُظهر مرونة في البحث عن وقف لإطلاق النار، لكنّ أي انتقال من هذا المستوى العام إلى مستوى الالتزامات العملية يفتح فورًا أبواب الانقسام الداخلي: من يفاوض؟ وبأي تفويض؟ وعلى ماذا تحديدًا؟ وهل تملك السلطة أصلًا القدرة على التعهّد بما يتجاوز الوقف المؤقت لإطلاق النار إلى ترتيبات تتصل بسلاح “حزب الله” أو بانتشاره أو بموقعه في المعادلة الداخلية؟
في هذه النقطة تحديدًا، تتكشف المعضلة الأعمق. فإسرائيل لا تضغط على لبنان من الخارج فقط، بل تراهن أيضًا على هشاشته الداخلية وتعقيد توازناته، مدركة أنّ أي تفاوض جدي لن يكون ممكنًا من دون حسم ملفات خلافيّة كبرى لا تملك الدولة حيالها قرارًا بسيطًا أو سريعًا. ولذلك، فإنّ ثمن التفاوض لا يُطلب من لبنان عند الطاولة فقط، بل قبلها أيضًا، من خلال دفعه إلى تقديم أجوبة داخلية شائكة تحت وطأة النار.
ولعلّ أخطر ما في هذا المسار أنّ الوقت لا يُستخدم فقط لتحسين الشروط الميدانية، بل أيضًا لرفع سقف المطالب السياسية، على قاعدة أنّ استمرار الضغط سيجعل لبنان أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات لم يكن مستعدًا لها في بداية الحرب. وهنا، لا تعود المفاوضات المؤجلة نقيضًا للمعركة، بل امتدادًا لها بوسائل أخرى.
بهذا المعنى، يبدو لبنان أمام لحظة مفصلية في مسار الحرب. فرمي الكرة في ملعبه لا يعني سوى وضعه أمام امتحان قاسٍ: إمّا أن ينتج إجابات صعبة بسرعة، وإمّا أن يبقى أسير حرب مفتوحة تتسع فيها الأكلاف يومًا بعد يوم. وعندها، قد لا يكون السؤال كيف تبدأ المفاوضات، بل أيّ لبنان سيصل إليها، وبأي قدرة على التفاوض، وبأي هامش فعلي للاعتراض أو التعديل.











اترك ردك