ورغم حدة الخطاب، فإن المشهد لا يزال يحمل الكثير من التعقيدات. فلا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة بشأن طبيعة أي عملية عسكرية محتملة أو حجمها، كما يبقى الدور الإسرائيلي موضع ترقب، سواء من حيث المشاركة المباشرة أو الاكتفاء بالدعم الاستخباراتي واللوجستي. وهذا الغموض يزيد من حالة الترقب التي تعيشها المنطقة، خصوصاً أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى توسع دائرة المواجهة بصورة يصعب احتواؤها.
في المقابل، تبدو إيران حريصة على عدم الظهور بموقع المتراجع، لكنها تدرك أيضاً أن الانزلاق إلى حرب شاملة يحمل أثماناً باهظة على مختلف المستويات. لذلك، فإن القراءة الأكثر واقعية تشير إلى أن الطرفين لا يزالان يستخدمان القوة العسكرية كوسيلة لتعزيز الموقف السياسي، وليس كهدف بحد ذاته. إنها سياسة الضغط بالنار، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه بالتوازي مع المفاوضات، من دون إغلاق الباب نهائياً أمام الحلول الدبلوماسية.
هذا الواقع يفسر أيضاً بقاء الجبهة اللبنانية في حالة من الضبط النسبي. ففتح مواجهة واسعة في لبنان من شأنه أن يضيف لاعباً جديداً إلى الصراع ويزيد من احتمالات فقدان السيطرة على مجريات الأحداث، وهو ما لا يبدو أنه يخدم مصالح الأطراف الرئيسية في هذه المرحلة. لذلك، فإن الحفاظ على مستوى معين من الاحتواء يبقى خياراً أكثر ترجيحاً، حتى مع استمرار التوتر الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، فإن أي مواجهة أميركية إيرانية لن تكون معزولة عن باقي ملفات المنطقة. فالعراق وسوريا والخليج والبحر الأحمر كلها ساحات يمكن أن تتأثر بدرجات متفاوتة، سواء عبر عمليات عسكرية مباشرة أو من خلال الضغوط الاقتصادية والأمنية. وهذا ما يجعل أي تصعيد، حتى لو بدأ محدوداً، قابلاً للتوسع إذا خرجت الأمور عن إطار الحسابات السياسية.
يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة اختبار جديدة، عنوانها الأساسي محاولة كل طرف فرض ميزان قوى أكثر ملاءمة لمصالحه. فالولايات المتحدة تسعى إلى زيادة الضغط على إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات أكبر، فيما تحاول طهران الحفاظ على أوراق قوتها ومنع خصومها من فرض شروط أحادية عليها. وبين هذين الهدفين، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، لكن لا يمكن الجزم بأن المنطقة تتجه حتماً إلى حرب مفتوحة، إذ إن مسار الأحداث سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف على الموازنة بين استخدام القوة وتجنب الانفجار الشامل.











اترك ردك