وبحسب الموقع، “في كل من سوريا ولبنان، لا تسير الديناميكيات الحالية بخط مستقيم ولا يمكن التنبؤ بها، فهي تصور تفاعلاً متغيراً بين الانتقال السياسي والردع والمحاولات التي تقودها الولايات المتحدة لإعادة هيكلة الأمن والاقتصاد في المنطقة. ويبين تقرير كامبريدج أن اتفاقيات ابراهيم قد تطورت من مبادرة دبلوماسية إلى هيكل إقليمي صمد رغم حرب إقليمية استمرت عامين، وردود فعل أيديولوجية حادة، ورأي عام غير متعاطف على نطاق واسع. ولا يرتكز استمرار هذه الاتفاقيات على العاطفة، بل على موقف موحد قائم على المصالح الوطنية التي تتمحور حول الأمن. وإذا كان هناك عنصر واحد يُشكّل شرطًا أساسيًا لبقاء اتفاقيات إسرائيل وتوسعها، فهو العنصر الأمني. وتُظهر تداعيات الحرب، أكثر من أي وقت مضى، مركزية البنية الدفاعية للقيادة المركزية الأميركية، وكما صرّح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، العميد إيفي ديفرين، الذي شغل سابقًا منصب رئيس قسم العلاقات الخارجية لمعدي التقرير: كان التنسيق مع نظرائنا في اتفاقيات أبراهيم، بما في ذلك مصر والأردن، خلال الهجمات الإيرانية على إسرائيل مثيراً للاهتمام. لقد كان مزيجاً من العمليات الجوية والبرية والاستخباراتية والرادارات وأجهزة الاستشعار، وما إلى ذلك. حدث ذلك في نيسان 2024، وفي تشرين الأول 2024، ثم شنينا هجومنا على إيران في حزيران 2025… أعتقد أنه بعد عامين من الحرب، لا سبيل للعودة”. لكن السؤال المطروح الآن في واشنطن والقدس وأنقرة ودمشق وبيروت هو ما إذا كان هذا الهيكل قابلاً للتوسع، والإجابة البسيطة هي أن الأحداث الأخيرة تشير إلى أنه قد يتغير بسرعة في أي من الاتجاهين”.
وتابع الموقع، “يشهد المشهد السوري تقلبات حادة. فمن جهة، تُجسّد المواجهات العسكرية المسلحة، كالهجوم الإسرائيلي على جماعة إرهابية في جنوب سوريا في 28 تشرين الثاني 2025 في إطار استراتيجيتها الاستباقية لإنشاء منطقة عازلة، هذا التوتر. إضافةً إلى ذلك، تُساهم التوترات داخل النسيج المتنوع للجهات المسلحة في سوريا، بما في ذلك فصائل هيئة تحرير الشام، والجماعات الدرزية، والقوات الكردية، والجماعات العلوية الموالية، في خلق بيئة شديدة التوتر. لم يُسهم صعود الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع، في ظل تراجع النفوذ الروسي والإيراني، وتنامي النفوذ التركي، ونهج إسرائيل المريب، في توطيد الدولة، بل زاد من تفتيتها. وفي هذا السياق، تفاقمت التوترات بين القوى الإقليمية، تركيا وإسرائيل، المتورطتين الآن في أزمة سياسية خارجية، بالتزامن مع الانقسامات الداخلية المتأصلة، مما زاد من هشاشة الوضع برمته، تاركاً مهمة استقرار هذا المناخ رهناً بحسن نية الولايات المتحدة وكفاءتها”.
وأضاف الموقع، “مع ذلك، ذكرت صحيفة “الشرق الأوسط” أن الوساطة الأميركية سهّلت اجتماعاً في أيلول بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والشرع في الأمم المتحدة، حيث تقدمت المحادثات إلى الاقتراب من توقيع اتفاقية لفض الاشتباك بوساطة أميركية، مما يدل على أن كلا الجانبين منخرطان في وساطة دبلوماسية مكثفة على الرغم من تصاعد التوترات. وكان التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أمراً مستحيلاً قبل عام، أما اليوم فهو شبه ممكن. وكما تُظهر الأبحاث، فإن المنطق الذي يدفع هذا التغيير هو الإرهاق الاستراتيجي، وانهيار المحور الإيراني، وبروز إعادة الإعمار الاقتصادي كحافز رئيسي لكافة الأطراف. ومع ذلك، لا يزال الكثير غامضاً، وفي ظل هذا المشهد المتغير، قد تصبح سوريا إما ساحةً لفضّ نزاع عملي أو الشرارة التالية لتصعيد إقليمي”.
ورأى الموقع أن “المشهد اللبناني شديد التباين، ففي 23 تشرين الثاني 2025، اغتالت إسرائيل رئيس أركان حزب الله، هيثم على الطبطبائي، في واحدة من أكثر عمليات الاغتيال حسماً منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. لم تكن هذه الضربة حادثة منفردة، بل جزءاً من جهد إسرائيلي متواصل أسفر عن تصفية أكثر من 360 عنصراً من حزب الله وتفكيك أكثر من 500 موقع في جنوب الليطاني منذ وقف إطلاق النار عام 2024. باختصار، تقوم إسرائيل بتطبيق نهج عدم التسامح مطلقاً، وتقويض القدرات العسكرية لحزب الله بقوة، وإعاقة فرص إعادة تشكيله في وقت السلم. فمنذ حربه الكارثية مع إسرائيل في خريف عام 2024، لا تزال القدرة العملياتية لحزب الله وشبكاته المالية ومكانته السياسية متضررة بشكل كبير. ومع ذلك، لا يزال وكيل إيران الرئيسي يتحدى الوضع علنًا، ويعيد بناء ما يستطيع، ويعيد نشر عناصره في كل أنحاء لبنان. من جانبه، ردد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بتحدٍّ: “لن نتخلى عن أسلحتنا”، رغم الضغوط الهائلة التي تمارسها قطاعات أخرى من المجتمع اللبناني. إن هذا الموقف يُبقي الأزمة على حافة الهاوية، مع ازدياد احتمالية التصعيد العسكري”.
وبحسب الموقع، “مع ذلك، وفي تناقض واضح، التقى مسؤولون إسرائيليون ولبنانيون قبل أسابيع قليلة في الناقورة في أول اتصال رسمي من نوعه، وقد أشار هذا الاجتماع، الذي تم من خلال قنوات أميركية، إلى أنه في حين لا يزال حزب الله يعرقل المفاوضات بنشاط، فإن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام يستكشفان بحذر مسارًا نحو فض الاشتباك والتقارب. إن التناقض بين اغتيال إسرائيلي في يوم واجتماعات دبلوماسية في يوم آخر ليس شذوذاً، بل هو دلالة على حقيقة بنيوية: التقارب والتصعيد ليسا متناقضين بالضرورة، بل يتزامنان في حيز ضيق تحدده عوامل المحور الإيراني، وتزايد شروط اتفاقيات أبراهيم، وتأكيد الدولة اللبنانية على وجودها”.
وتابع الموقع، “يكشف التزامن بين التصعيد والتقارب عن ثلاث رؤى. أولاً، لم يعد المثلث اللبناني الإسرائيلي السوري محصوراً في ثنائيات بسيطة. فعلى مدى عقود، تراوحت تفاعلات إسرائيل مع سوريا ولبنان بين الحرب والجمود، أما اليوم، فهي تتأرجح بسلاسة بين الحرب والتفاوض، حتى ضمن الدورة العملياتية نفسها. ثانيًا، يعتمد إطار اتفاقيات أبراهيم بشكل أساسي على الولايات المتحدة كميسر، فمن دون دبلوماسيين أميركيين يعملون كداعمين ووسطاء وضامنين، يميل الوضع نحو عدم الاستقرار. وثالثًا، العوامل المسببة للتوسع. يجادل معدو التقرير أنه إذا انضم لبنان وسوريا إلى إطار اتفاقيات أبراهيم، ولو جزئياً، فإنهما يستطيعان إكمال المسار ووضع محور الاتفاقيات كإطار رئيسي في المنطقة. إن هذه اللحظة الحساسة التي نشهدها نادرة تاريخياً: فظروف توسيع الاتفاقيات تتزامن الآن مع عوامل قد تدفع المنطقة مجدداً إلى الحرب في غضون دقائق، وقد واجهت المنطقة رياحاً معاكسة مماثلة في الماضي، إلا أنها لم تشهدها قط في ظل الخلفية السياسية الراهنة: إيران ضعيفة، وبات استمرار نظامها موضع شك، وسوريا متشرذمة منفتحة على الاستثمارات من خلال الحوافز، ولبنان يتعافى ببطء ويستعيد سيادته من حزب الله، وإطار اتفاقيات متين صمد بالفعل أمام حرب إقليمية”.
وختم الموقع، “سيتوقف مصير هذا الوضع، سواءً أكان يميل نحو السلام أم نحو الحرب، على مدى حكمة واشنطن والقدس وأنقرة ودمشق وبيروت في تحويل الفرص التكتيكية إلى اتفاقيات استراتيجية. الفرصة سانحة، لكنها ضيقة”.











اترك ردك