حكاية الديك الذي كشف سقوط المملكة

يُروى أن ملكاً حكم مملكة واسعة، جعل العدل دستورها، والإنصاف ميزانها، وراحة الناس معيار نجاحه. لم يكن يكتفي بالجلوس على العرش وإصدار الأوامر، بل كان يجوب البلاد، يستمع إلى شكاوى رعاياه، ويتفقد أحوالهم، ويحرص على أن يصل الحق إلى صاحبه، مهما بدا صغيراً. لذلك، عاش الناس في طمأنينة، حتى إنهم كانوا ينامون وأبواب بيوتهم غير موصدة، لا خوفاً من اللصوص، بل ثقة بأن وراءهم دولة لا تسمح بأن يُظلم أحد أو يُستباح حقه.

وحين تقدّم الملك في العمر، قرّر أن يسلّم الحكم إلى ابنه البكر، بعدما رأى فيه الأهلية لتولّي المسؤولية. لم يطلب منه سوى أمر واحد، وهو أن يطلعه دورياً على أحوال المملكة، وأن يثبت له أن ما بناه طوال سنوات لن يكون عرضة للضياع. جلس الابن على العرش، فيما ابتعد الأب عن إدارة الشؤون اليومية، مطمئناً إلى أن المملكة التي ورثها ابنه لا تحتاج إلى معجزات كي تستمر، بل إلى من يحافظ على ما تحقق.
لكن الابن، الذي اعتاد حياة الرفاه ولم يعرف عن الحكم سوى امتيازاته، ظنّ أن استقرار المملكة أمر مضمون، وأن ما بناه والده سيبقى قائماً من تلقاء نفسه. انصرف إلى اللهو، وترك شؤون الناس لمساعدين وجدوا في غياب الرقابة فرصة لتوسيع نفوذهم وتحقيق مصالحهم. ومع أن المظاهر بقيت على حالها في البداية، فإن خللاً صغيراً كان كافياً لكشف ما بدأ يتغيّر في العمق.
ففي نهاية الشهر الأول، استدعاه والده ليسأله عن أحوال الرعية. أجابه الابن بأن كل شيء على ما يرام، باستثناء حادثة بسيطة لا تستحق، في رأيه، كل هذا الاهتمام، وهي أن فلاحًا فقيرًا تعرّض للسرقة، وفقد ديكاً من مزرعته.
ابتسم الأب وسأله: وماذا فعلت؟
استغرب الابن السؤال، وقال إن الأمر لا يستدعي انشغال الملك، وإن ديكاً واحداً لا يمكن أن يعكّر صفو مملكة بأكملها.

لكن الأب لم يشاركه استخفافه، واكتفى بأن قال له: “أعد الديك إلى صاحبه”.
مرّ شهر آخر، ولم يعد الديك. وحين تكرّر اللقاء، كان جواب الابن أن القضية لم تُحلّ بعد، فيما بدأت شكاوى السرقة تتزايد. ومع ذلك، ظلّ مقتنعاً بأن الأمر لا يزال تحت السيطرة، وأن المملكة أوسع من أن تهتزّ بسبب ديك أو اثنين. فأعاد الأب طلبه: “أعد الديك إلى صاحبه”.
ومع مرور الوقت، لم تعد السرقات مقتصرة على أطراف المملكة. امتدت إلى القرى، ثم اقتربت من المدن، وبدأ الناس يغلقون أبوابهم بإحكام بعدما كانوا ينامون مطمئنين. اضطر بعضهم إلى السهر لحراسة ممتلكاتهم، وتراجع شعور الأمان الذي شكّل، طوال سنوات، أهم ما ميّز حكم الملك الأب.
وفي كل لقاء، كان السؤال يتكرّر: “هل أعدت الديك؟” وكان الجواب يتكرّر أيضاً: “ليس بعد”. ومع كل مرة، كان الأب يكتفي بتجديد طلبه، فيما كان الابن يزداد اقتناعاً بأن والده يبالغ في شأن لا يستحق كل هذه المتابعة.
إلى أن جاء يوم أدرك فيه الملك الشاب، بعدما انتشرت الفوضى وتراجعت هيبة الحكم، أن أباه لم يكن منشغلاً بالديك نفسه، بل بما يمثّله. فالسارق الذي أفلت من العقاب لأنه سرق ديكاً، تعلّم أن القانون لا يلاحقه. والذي شاهد السرقة تمرّ بلا محاسبة، فهم أن في إمكانه أن يفعل الشيء نفسه. أما الناس، الذين لم يجدوا من يعيد إليهم حقهم الصغير، فقدوا شيئاً فشيئاً ثقتهم بمن يفترض أن يحمي حقوقهم الكبيرة.
عندها فقط فهم الابن أن المملكة لم تبدأ بالسقوط يوم كثرت السرقات، بل في اللحظة التي قرّر فيها أن سرقة ديك لا تستحق تدخّل الملك. يومها، لم يخسر فلاح فقير بعضاً من رزقه فحسب، بل خسر الحكم فرصة مبكرة لإثبات أن القانون يسري على الجميع، وأن حقوق الناس ليست درجات، وأن الدولة لا تقيس قيمة الحق بحجم ما سُرق، بل بمبدأ عدم جواز سرقته.
قد تكون هذه الحكاية من نسج الخيال، لكن مغزاها يتجاوز حدود الممالك القديمة. فكم من مسؤول يتسلّم موقعه في دولة تبدو مستقرة، فيظن أن الاستقرار إرث مضمون، وأن المؤسسات ستواصل العمل حتى لو غابت الرقابة والمحاسبة؟ وكم من قضية صغيرة تُهمَل لأنها لا تثير ضجة، قبل أن تتحوّل إلى سابقة تشجّع على مخالفات أكبر، وتفتح الباب أمام تجاوزات يصعب احتواؤها؟
الإصلاح لا يبدأ دائماً بقرارات كبرى أو خطط ضخمة أو شعارات براقة. يبدأ أحياناً بإنصاف مواطن تعرّض للظلم، أو محاسبة موظف استغل موقعه، أو وقف مخالفة ظنّ مرتكبها أنها أصغر من أن تستحق العقاب. فحين يشعر الناس بأن حقوقهم مصونة، مهما صغرت، تتعزز ثقتهم بالدولة. وحين يرون المخالفات تمرّ بلا مساءلة، يتعلّمون أن القانون قابل للتجاوز، وأن العدالة تتراجع أمام النفوذ والمصلحة.
فالديك المسروق لم يُسقط المملكة، بل كشف أن حاكمها لم يفهم معنى الحكم. والدولة لا تفقد هيبتها عندما تعجز عن معالجة أزمة كبرى فحسب، بل عندما تتسامح مع المخالفة الصغيرة، وتترك الحق معلّقاً، وتطلب من الناس احترام قانون لا تملك هي الجرأة على تطبيقه.
وفي السياسة كما في الحكم، ليست العبرة بحجم القضية التي تصل إلى مكتب المسؤول، بل بما يفعله حين تصل. فمن لا يعيد الديك إلى صاحبه، قد يجد نفسه، بعد فوات الأوان، عاجزاً عن استعادة مملكة بأكملها.
وهذه القصة شبيهة جدّا بالطريقة التي تعامل معها المسؤولون قبل انفجار مرفأ بيروت وبعده، وكذلك الأمر بالنسبة إلى متفجرات ضهر البيدر، وقبلها تحدّي الدولة من على صخرة الروشة؛ وقد يكون الآتي أدهى.