وفي تقرير نشرته مجلة “فورين أفيرز”، قال الباحثان جيسي ماركس ونيكولاس لايال إن سوريا كانت قبل اندلاع الحرب عام 2011 عقدة تجارية تربط العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، قبل أن تتحول خلال سنوات الصراع إلى مركز لتجارة المخدرات وممر للأسلحة الإيرانية نحو لبنان.
ومع سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، بدأت دمشق إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية مع محيطها. ووفق تقديرات الجمارك السورية، دخلت البلاد حتى آب 2025 نحو 327 ألف شاحنة تحمل أكثر من 7 ملايين طن من البضائع، بالتزامن مع انفتاح اقتصادي من الأردن وقطر والسعودية وتركيا.
لكن إعادة تنشيط التجارة لا تكفي وحدها لمواجهة حجم الدمار، إذ قدر البنك الدولي عام 2025 كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2024.
سوريا تعود إلى خريطة الممرات
وبحسب التقرير، عززت الاضطرابات الإقليمية والحرب مع إيران أهمية سوريا بوصفها ممراً بديلاً للتجارة والطاقة، خصوصاً مع المخاطر التي تواجه الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، عادت إلى الواجهة خطط إحياء سكة حديد الحجاز. وبعد محاولات سابقة توقفت بسبب الحرب، اتفقت الأردن والسعودية وسوريا وتركيا خلال نيسان وحزيران من العام الجاري على إعادة تطوير الخط خلال 3 إلى 4 سنوات.
وتشير تحليلات لممرات مماثلة إلى إمكانية نقل نحو 1.5 مليون حاوية سنوياً في المرحلة الأولى، وصولاً إلى 3 ملايين حاوية مع توسيع قدرات الخط والموانئ.
وتنسجم هذه الخطط مع رؤية الرئيس السوري أحمد الشرع المعروفة باسم “البحار الأربعة والممرات التسعة”، والهادفة إلى وضع سوريا في قلب شبكة تربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط، لنقل السلع والكهرباء والنفط.
“كركوك – بانياس”.. بوابة نفطية جديدة
بالتوازي، اتفقت بغداد ودمشق في تموز على إعادة تأهيل خط أنابيب “كركوك-بانياس”، الذي دمر خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، بهدف توفير منفذ للنفط العراقي إلى البحر المتوسط بعيداً عن الخليج.
وفي حال إنجاز المشروع خلال 4 سنوات، يمكن أن تصل طاقته إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030، ما يعادل نحو 60% من صادرات العراق النفطية قبل الحرب مع إيران ونحو 9% من كميات النفط التي كانت تعبر مضيق هرمز.
ومع تطوير مسارات إضافية عبر تركيا، قد يصبح العراق قادراً على توجيه أكثر من 80% من صادراته النفطية بعيداً عن هرمز.
منافسة إقليمية على سوريا
لكن صعود سوريا كممر تجاري يضعها أيضاً وسط تنافس إقليمي متزايد. فالسعودية وتركيا تتقاربان في الملفات الأمنية، بينما توسع الإمارات حضورها في الموانئ والخدمات اللوجستية، في وقت تنظر فيه إسرائيل بقلق إلى تنامي النفوذ التركي قرب حدودها.
ويحذر تقرير “فورين أفيرز” من أن الصراع على تمويل الممرات وإدارتها وحمايتها قد يجر سوريا إلى مواجهات لا يحتملها وضعها الداخلي الهش.
وتحاول دمشق موازنة علاقاتها والانفتاح على قطر والسعودية وتركيا والإمارات والولايات المتحدة، إضافة إلى الصين وروسيا، إلا أن تنامي نفوذ كبار الممولين قد يدفعها بصورة أكبر نحو محور يضم الرياض والدوحة وأنقرة.
إسرائيل قلقة من الممر البديل
ويبرز العامل الإسرائيلي ضمن أبرز التحديات. فإحياء سكة حديد الحجاز قد يقلل، بحسب التقرير، أهمية إسرائيل في “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، ويحد من دورها كبوابة متوسطية للدول العربية.
ويرى الباحثان أن إسرائيل قد تسعى إلى عرقلة هذا المسار، خصوصاً في ظل اعتبارها التقارب السوري مع السعودية وقطر وتركيا تهديداً استراتيجياً.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد حذر في شباط من نشوء ما وصفه بـ”محور سني متطرف”، فيما قالت وزيرة النقل ميري ريغيف في حزيران إن الشراكات التجارية ومشاريع الطاقة التي تهدف إلى “تجاوز إسرائيل” تمثل تهديداً استراتيجياً.
وفي آب 2026، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية السورية، على خلفية مزاعم بشأن احتمال انتشار عسكري تركي فيها. وفي المقابل، تجنبت دمشق الرد العسكري المباشر، واتجهت نحو مفاوضات برعاية أميركية سعياً إلى انسحاب القوات الإسرائيلية.
إلا أن التقرير يرى أن هذا المسار لا يضمن وقف العمليات الإسرائيلية أو استهداف البنية التحتية السورية.
إعادة إعمار أم نفوذ جديد؟
اقتصادياً، تواجه دمشق تحدياً آخر يتمثل في منع تحول الاستثمارات الأجنبية إلى وسيلة جديدة للسيطرة على موارد البلاد.
فخلال عهد الأسد، حصلت روسيا على قواعد وامتيازات في الفوسفات والنفط والغاز والموانئ، فيما استخدمت إيران سوريا ممراً برياً نحو لبنان ونشرت قوات فيها.
وبعد سقوط النظام، سعت السلطات الجديدة إلى إنهاء هذا النموذج، فأخرجت القوات الإيرانية وقوات حزب الله، وفككت شبكات الممر العسكري الإيراني واستعادت السيطرة على قواعد كانت خاضعة للوجود الروسي.
وفي محاولة لجذب التمويل، أصدر الشرع في حزيران مرسوماً يمنح المستثمرين الأجانب حقوق ملكية كاملة في معظم القطاعات، وحرية تحويل الأرباح إلى الخارج، إلى جانب حوافز ضريبية وجمركية.
لكن “فورين أفيرز” يحذر من أن تركيز صلاحيات تراخيص الاستثمار وتخصيص أراضي الدولة والحوافز في مؤسسات مرتبطة بالرئاسة، من دون رقابة مستقلة كافية، قد يعيد إنتاج ممارسات اقتصادية شهدتها البلاد في عهد الأسد.
ويرى التقرير أن سوريا أمام فرصة للاستفادة من التنافس بين أوروبا والخليج وتركيا والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية للحصول على شروط استثمارية تضمن بقاء جزء أكبر من العوائد داخل الاقتصاد السوري.
وفي المحصلة، أعاد موقع سوريا الجغرافي إليها جانباً من أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية، لكن تحويل هذه الفرصة إلى مكسب مستدام سيعتمد على قدرة دمشق على إدارة التنافس الخارجي، وضمان توزيع عوائد الاستثمار، ومنع تحول الممرات التجارية وإعادة الإعمار إلى شكل جديد من أشكال النفوذ على القرار السوري.












اترك ردك